هل دخلت الحرب السودانية مسافة آخر 100 متر من سباق القتل والمجازر لتضع أوزارها وتنتهى أكثر مقتلة مؤلمة فى تاريخ الأمم؟ المؤشرات الواردة وفقا لوكالات أنباء دولية وصحف محلية سودانية ومنظمات تراقب وتتابع الأوضاع عن قرب، أن يوما بعد يوم تتكبد ميليشيا الدعم السريع، خسائر فادحة، من انشقاقات وتصدعات وهزائم على يد الجيش السودانى.
فعلى الصعيد العسكرى، شهدت قوات الدعم السريع خلال عام 2026 انشقاقات لقيادات ميدانية بارزة، من بينها النور أحمد آدم، المعروف بالنور القبة، وعلى رزق الله، المعروف بالسافنا، اللذان انضما إلى الجيش السودانى بعد مغادرتهما صفوف الميليشيا؛ فيما رصدت تحليلات متخصصة تصاعد الخلافات داخل التحالفات المسلحة التى تستند إليها قوات الدعم السريع.
ولا تكمن أهمية هذه الانشقاقات فى عدد القادة الذين غادروا صفوف ميليشيا الدعم السريع، فحسب، بل فى طبيعة مواقعهم وصلاتهم الاجتماعية والعسكرية؛ فالانشقاق حين يقع من قائد يمتلك نفوذا ميدانيا وعلاقات قبلية وشبكات تجنيد وإمداد قد يؤدى إلى انتقال مقاتلين إلى الجيش السودانى، ما يعد إضافة قوة، وكنز معلومات استراتيجى حقيقى، كما يمكن أن يشجع قيادات أخرى على إعادة حساباتها؛ وإذا اتسعت هذه الظاهرة - وهى متصاعدة بالفعل - فإنها قد تضعف قدرة القيادة المركزية على فرض الأوامر وتنسيق العمليات والاحتفاظ بولاء التشكيلات المختلفة.
وتشير المعلومات القادمة من وسط المعارك، والمستندة على تحليلات مجموعة بيانات مواقع النقاط الجغرافية المشتعلة، إلى أن بنية ميليشيا الدعم السريع، القائمة بدرجة كبيرة على تحالفات محلية ومصالح متبادلة بين مجموعات مسلحة وقيادات ميدانية، تجعلها عرضة للتصدع عندما تتراجع المكاسب أو تتصاعد المنافسة على الموارد والنفوذ؛ كما أن التوترات القبلية والخلافات بشأن توزيع السلاح والمكافآت والرعاية الطبية يمكن أن تتحول إلى أسباب مباشرة للتمرد على القيادة.
ووسط هذه التصدعات، يلوح فى الأفق سؤال ثقيل: هل يقترب ميزان الحرب من التحول؟، الجيش السودانى استثمر فى هذا التحول، والاستفادة القصوى من هذه التصدعات لحسم المعركة، وبسط نفوذ المؤسسات الوطنية، فالانشقاقات التى تضرب صفوف الميليشيا المسلحة المتمردة، تسهم فى فتح المجال أمام عمليات عسكرية جديدة للجيش السودانى، لاستعادة مناطق كانت خاضعة لنفوذ الدعم السريع، وسط حاجة الشعب السودانى إلى منظومة أمنية تحميهم، وعدالة تقتص من الخارجين على القانون، وسلطة قادرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة.
هذه التطورات الجوهرية فى المعارك الدائرة فى السودان الطيب المكلوم، تأتى فى ظل أوضاع معيشية كارثية، فقد حذرت مجموعة من الدول، بينها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول أوروبية، من تدهور الأمن الغذائى فى السودان وخطر المجاعة خلال الأشهر المقبلة، ووفقا لبيانها المشترك فى أكتوبر 2026، يواجه نحو 19.5 مليون شخص، أى قرابة 41 فى المئة من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائى الحاد، بينهم أكثر من 5 ملايين يواجهون مستويات الطوارئ؛ كما حذرت من احتمال ارتفاع أعداد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد إلى ما يتجاوز التقديرات الحالية البالغة 825 ألف طفل دون الخامسة.
وتتداخل عدة عوامل فى دفع الأزمة إلى هذا المستوى الكارثى، فالمعارك والنزوح يحرمان المزارعين من الوصول إلى الأراضى، ويعطلان الأسواق وطرق النقل، ويرفعان تكلفة الوقود والغذاء، كما يؤدى تدمير المرافق الصحية وشبكات المياه إلى زيادة خطر الأمراض، بينما يصبح الطفل المصاب بسوء التغذية أكثر عرضة للمضاعفات والوفاة.
لهذا فإن هناك 20 مليونا - وهو رقم يقترب من نصف سكان السودان - يهددهم الموت جوعا، لذلك فإن إنهاء هذه الحرب وسريعا صار ضرورة قصوى، فحسم الجيش السودانى للمعركة، يعيد فتح ممرات آمنة ومستدامة للإغاثة، وضمان وصول الغذاء والدواء إلى المناطق المحاصرة والنائية، وحماية العاملين فى المجال الإنسانى والأسواق والمزارع ومصادر المياه، كما يُمكن المزارعين من استئناف الإنتاج، وتقديم تمويل كافٍ لبرامج التغذية والعلاج والرعاية الصحية.
وفق المعطيات والخسائر التى تتكبدها ميليشيات الدعم السريع، فإن نهاية المجازر باتت تلوح فى الأفق، وأن سيطرة الجيش الوطنى على الأوضاع فى السودان صارت أمنية للشعب المكلوم، وإنقاذ نصف السكان من الموت جوعا، وعودة المساعدات دون عوائق، وتعود الروح للأسواق والمزارع، ويجد الأطفال الغذاء والعلاج، ويصبح النازحون قادرين على العودة بأمان.