تبدأ بعض الشائعات الرقمية من منشور مجهول المصدر أو ادعاء لا يتضمن أدلة واضحة، قبل أن تنتقل إلى صفحات وحسابات متعددة تعيد نشر المضمون نفسه بصيغ مختلفة، بما يمنحه انتشارا قد يوحي للمستخدمين بأن المعلومات المتداولة تستند إلى مصادر مستقلة.
وتعد هذه الآلية من أبرز صور التضليل الإعلامي، إذ يمكن أن تتحول رواية ضعيفة التوثيق إلى موضوع واسع التداول نتيجة التكرار وإعادة الصياغة، دون ظهور معلومات جديدة تثبت صحتها، وفي هذا السياق، تثير أنماط إعادة نشر المحتوى عبر المنصات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية تساؤلات بشأن كيفية انتقال الروايات غير الموثقة بين الحسابات، ومدى تأثير تكرارها في تشكيل تصورات الجمهور.
البداية من مصدر مجهول.. كيف تولد الرواية المضللة؟
قد تبدأ الشائعة بمنشور يتضمن ادعاء عاما أو صورة دون معلومات كافية عن مصدرها أو تاريخها، ثم يجري تداولها باعتبارها خبرا يستحق الاهتمام، وتزداد احتمالات انتشار الرواية عندما تتعلق بموضوع حساس أو تتضمن تفاصيل تثير القلق، خصوصا إذا استخدمت صياغات توحي بأن المعلومات مسربة أو أن هناك حقائق لم تعلن بعد، وفي هذه المرحلة، يمثل غياب المصدر الأصلي أحد أبرز المؤشرات التي تستدعي التحقق، لأن عدم معرفة الجهة التي قدمت الادعاء يجعل تقييم مصداقيته أكثر صعوبة.
وقد تستغل المنصات المضللة هذه الحالة من خلال إعادة نشر المحتوى دون الإشارة إلى ضعف توثيقه، أو تقديمه باعتباره معلومة متداولة على نطاق واسع، وتكمن الخطورة في انتقال الادعاء من صيغة الاحتمال إلى صيغة التأكيد، رغم عدم ظهور أدلة جديدة تدعمه.
إعادة النشر والتكرار.. صناعة مصداقية زائفة
عندما ينتقل الادعاء نفسه بين حسابات متعددة، قد يعتقد بعض المستخدمين أن تكراره يمثل دليلا على صحته، خاصة إذا ظهرت الرواية بصيغ وعناوين مختلفة، غير أن تعدد الصفحات التي تنشر المعلومة لا يعني بالضرورة تعدد مصادرها، إذ قد تعتمد جميعها على المنشور الأصلي نفسه، ويمكن أن تستفيد منصات الإخوان الإرهابية من هذا النمط في إعادة تداول الروايات التي تتناسب مع خطابها الإعلامي، بما يزيد فرص وصولها إلى شرائح مختلفة من الجمهور.
كما أن إضافة تعليقات وتحليلات إلى الادعاء الأصلي قد تمنحه مظهرا أكثر اكتمالا، رغم أن المعلومات الأساسية التي يستند إليها لا تزال غير موثقة، ويصبح التكرار أكثر تأثيرا عندما تتشابه الرسائل المنشورة في مضمونها العام، بما يخلق انطباعا بوجود تأكيدات متبادلة بين المصادر.
لكن إثبات وجود تنسيق منظم بين الحسابات يتطلب أدلة مستقلة، تشمل دراسة توقيت النشر والروابط بين المصادر وأنماط تداول المحتوى، ولا يكفي مجرد تشابه الرسائل للحكم بوجود حملة مشتركة.
من الشائعة إلى الرأي العام.. كيف يتغير تصور الجمهور؟
قد يؤدي انتشار الرواية غير الموثقة إلى انتقالها من صفحات محدودة إلى نقاشات أوسع، خصوصا عندما يعيد المستخدمون تداولها دون مراجعة المصدر الأصلي، وفي هذه المرحلة، تصبح الشائعة جزءا من النقاش العام، وقد تبدأ صفحات أخرى في التعليق عليها أو تحليل آثارها المحتملة، بما يزيد حضورها رغم استمرار غياب الأدلة، وتظهر المشكلة عندما يجري التعامل مع حجم التداول باعتباره إثباتا لصحة الادعاء، أو عندما تتحول الرواية إلى أساس لإطلاق اتهامات واستنتاجات جديدة.
وتتطلب مواجهة هذه الممارسات تتبع المصدر الأول للمعلومة، ومراجعة الأدلة التي يستند إليها، والتمييز بين الحسابات التي تنقل الادعاء والجهات التي تمتلك معلومات أصلية بشأنه، كما أن كشف مراحل انتقال الشائعة يساعد على توضيح كيفية تضخمها، ويمنع الخلط بين الانتشار الواسع والتوثيق الحقيقي.
وفي النهاية، فإن الرواية التي تبدأ من مصدر مجهول لا تصبح حقيقة لمجرد انتقالها بين عشرات الصفحات، كما أن إعادة نشر الادعاء بصيغ مختلفة لا تمنحه أدلة إضافية، وتظل القدرة على تتبع مصادر المعلومات وفحصها من أهم الوسائل لكشف محاولات صناعة المصداقية الزائفة، والحد من استغلال المنصات الرقمية في تضخيم الشائعات والتأثير على الرأي العام.