أوروبا تستعد لتعبئة سفن كاسحات الألغام لتطهير مضيق هرمز.. تهديد حركة الملاحة يؤثر مباشرة على أسعار الطاقة العالمية.. عملية حساسة تهدف لاستعادة الثقة فى الممر الاستراتيجى وتأمين إمدادات الطاقة.. عددها 6 آلاف لغم

الإثنين، 22 يونيو 2026 05:00 ص
أوروبا تستعد لتعبئة سفن كاسحات الألغام لتطهير مضيق هرمز.. تهديد حركة الملاحة يؤثر مباشرة على أسعار الطاقة العالمية.. عملية حساسة تهدف لاستعادة الثقة فى الممر الاستراتيجى وتأمين إمدادات الطاقة.. عددها 6 آلاف لغم مضيق هرمز

فاطمة شوقى

في خطوة تعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي بعد أشهر من التوتر، تواجه الولايات المتحدة وإيران مفاوضات سلام شاقة، بينما يستعد المجتمع الدولي، وعلى رأسه الدول الأوروبية، لخوض تحدٍ لوجستي وعسكري كبير يتمثل في إزالة الألغام البحرية التى زرعتها طهران في مضيق هرمز، في عملية قد تستغرق أسابيع أو أشهر وتتطلب تعبئة إمكانات تقنية وبشرية ضخمة.

شهد المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي وحوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، تحسناً طفيفاً في حركة الملاحة يوم الخميس الماضي، حيث سجل أعلى مستوى يومي في شهرين مع عبور 25 سفينة تجارية، وفقاً لشركة الاستخبارات البحرية "AXSMarine"، غير أن هذه الأرقام لا تزال متواضعة مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع النزاع، إذ كان يمر عبر المضيق في المتوسط نحو 60 سفينة يومياً، مما يعكس حجم التحدي المتبقي لإعادة الحركة إلى طبيعتها.

 

لغز الألغام الإيرانية وتقديرات متضاربة

تعود جذور الأزمة إلى مطلع مارس الماضي، عندما كشفت تقارير استخباراتية أمريكية  أن إيران بدأت في زرع ألغام بحرية في مياه المضيق، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها "تصعيد خطير" يهدد أمن الملاحة الدولية،  ورغم أن السلطات الإيرانية تجنبت الإعلان رسمياً عن هذه العملية، فإن التقديرات الأمريكية تشير إلى أن طهران تمتلك ترسانة ضخمة من الألغام البحرية تتراوح بين 5 و6 آلاف لغم، مما يجعلها واحدة من أكبر القوى في هذا المجال على مستوى العالم.

 

غرق سفن ألغام إيرانية

وخلال أشهر القتال التي أعقبت ذلك، ترددت أنباء عن غرق سفن ألغام إيرانية في هجمات أمريكية، لكن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أن هذه السفن تمكنت من إكمال جزء على الأقل من مهمتها قبل تعرضها للقصف.

وباستخدام هذه التكتيكات، تمكنت إيران من تعزيز سيطرتها على المضيق بشكل كبير، وأنشأت مسارين آمنين تحت إشراف الحرس الثوري، مما سمح للسفن الإيرانية وحلفائها بالتحرك بحرية فيما ظلت السفن الأخرى مهددة.

أما العدد الدقيق للألغام المزروعة في قاع المضيق، فلا يزال غامضاً بشكل كبير، إذ لم تنشر طهران أي أرقام رسمية، ويتعين التعامل بحذر مع التقديرات المتاحة من مصادر مختلفة. لكن فيليب بيلشر، المدير البحري لرابطة مالكي السفن المستقلة "إنترتانكو"، قدر مؤخراً وجود نحو 80 لغماً بحرياً في المسار المركزي للمضيق تنتظر التحييد. وهذا الرقم، وإن بدا محدوداً، يمثل تحدياً كبيراً نظراً لصعوبة عمليات الكشف عن الألغام البحرية في مياه يصل عمقها إلى 200 متر، وتعقيدات نزعها في منطقة ضيقة يبلغ عرضها 50 كيلومتراً فقط، وتُعد واحدة من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.


لماذا يعتبر مضيق هرمز مهماً جداً؟

يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر مياهه نحو 20% من النفط الخام الذي يستهلكه العالم يومياً، أي ما يعادل حوالي 21 مليون برميل يومياً، كما يمر عبره حوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، مما يجعله بوابة رئيسية لتصدير الطاقة من منطقة الخليج الغني بالثروات النفطية.

وتأتي أهمية المضيق من موقعه الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، ويمثل الممر الوحيد الذي تخرج منه صادرات النفط من السعودية والإمارات والكويت وقطر وعُمان والعراق وإيران ، ولذلك، فإن أي تهديد لحركة الملاحة في المضيق يؤثر مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، كما شهدنا خلال أشهر التوتر عندما قفزت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة.

 

الدور الأوروبي المحوري في عملية التطهير

مع اقتراب التطبيع بين واشنطن وطهران، برز دور أوروبا كعنصر أساسي في تأمين الملاحة عبر المضيق،  وتستعد الدول الأوروبية لتعبئة سفن كاسحة ألغام متخصصة للمشاركة في العملية، التي تتطلب خبرات تقنية متقدمة وطواقم مدربة تدريباً عالياً. وتشير التقارير إلى أن إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا تتصدر قائمة الدول المستعدة للمشاركة، مع إمكانية انضمام دول أخرى من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

وتتضمن المهمة استخدام تقنيات متطورة مثل الروبوتات تحت الماء والسونار عالي الدقة لتحديد مواقع الألغام بدقة، قبل الشروع في عمليات نزعها أو تفجيرها من مسافة آمنة، لكن العملية تواجه تحديات جمّة، أبرزها ، صعوبة تحديد المواقع الدقيقة للألغام في مياه واسعة ومتداخلة، خاصة مع وجود تيارات مائية قوية قد تكون حولت الألغام عن مواقعها الأصلية، مع خطورة عمليات الإزالة في منطقة لا تزال تشهد توترات أمنية، مع احتمال وجود قوات إيرانية أو أمريكية فى الجوار، مما يرفع احتمالية وقوع حوادث أو سوء تقدير، بالإضافة إلى  الحاجة إلى تنسيق دولي معقد بين الأطراف كافة، بما في ذلك إيران، لضمان عدم وقوع حوادث أثناء العملية، وتحديد المناطق التي يُسمح بعمليات التمشيط فيه، مع طول المدة المتوقعة للعملية، إذ قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر، خاصة مع عدم معرفة العدد الدقيق للألغام وتوزيعها، مما يطيل أمد الأزمة ويؤثر على استقرار أسواق الطاقة.

 

جهود دبلوماسية موازية

إلى جانب العمليات العسكرية واللوجستية، تجري جهود دبلوماسية مكثفة لضمان نجاح مهمة إزالة الألغام. وتجتمع الدول الأوروبية المعنية مع ممثلين عن إيران والولايات المتحدة لوضع بروتوكولات واضحة لعملية التطهير، بما في ذلك جدول زمني وآليات للتواصل في حالات الطوارئ. ويشير مراقبون إلى أن الأوروبيين يلعبون دوراً وسيطاً مهماً بين واشنطن وطهران، مستفيدين من علاقاتهم الدبلوماسية مع الجانبين، ومن خبراتهم التقنية في عمليات إزالة الألغام التي اكتسبوها في مهام سابقة في مناطق مختلفة من العالم. كما تسعى بروكسل إلى طمأنة شركات الشحن والتأمين بأن المضيق سيكون آمناً للعبور في أقرب وقت ممكن، لاستعادة الثقة في هذا الممر الحيوي.

 

مستقبل الملاحة بين التفاؤل والحذر

ورغم التقدم الذي أحرزته المفاوضات، يظل مستقبل الملاحة في مضيق هرمز مرتبطاً بنجاح عملية إزالة الألغام واستقرار الأوضاع الأمنية. ويحذر مراقبون من أن أي حادثة أثناء عملية التطهير قد تؤدي إلى تجدد التوتر، وتعيد المنطقة إلى مربع الصراع الأول، مما يهدد المكاسب التي تحققت في المفاوضات.

وتشير التقديرات إلى أن الأمر قد يستغرق عدة أسابيع قبل أن يتمكن الأوروبيون من تطهير المسار الرئيسي للمضيق بالكامل، لكن بعض الخبراء يتوقعون أن تستمر عملية التمشيط الدقيق لأشهر، خاصة في المناطق الجانبية التي قد تكون زرعت فيها ألغام بشكل أقل كثافة.

 

أسئلة تبقى دون إجابة

ومع بقاء نحو 80 لغماً في المسار المركزي بحسب بعض التقديرات، يبقى السؤال الأهم الذي يشغل الأوساط البحرية والسياسية: كم من الوقت ستستغرقه أوروبا لتطهير المضيق بالكامل، وهل ستنجح العملية في استعادة الثقة لشركات الشحن والتأمين البحرية، أم أن الخوف من الألغام المتبقية سيظل يحد من حركة الملاحة، حتى بعد الإعلان الرسمي عن انتهاء المهمة؟

والأكثر إلحاحاً: هل تستطيع أوروبا تنفيذ هذه المهمة الشاقة قبل أن يؤدي أي طارئ إلى انهيار الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران، وإعادة العالم إلى مواجهة جديدة في واحدة من أكثر المناطق حساسية على وجه الأرض؟ والإجابة على هذا السؤال ستتحدد في الأسابيع المقبلة، حيث سيكون العالم بأسره متابعاً لكل خطوة في عملية إزالة الألغام، ومدركاً أن مستقبل إمدادات الطاقة العالمية يتوقف على نجاح هذه العملية المعقدة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة