تزور مصر هذه الأيام الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو، وهي كاتبة مشهورة وصاحبة كتاب "بردية في غاية الطول"، كتابها الأشهر عن تاريخ الكتاب ونشأته، والذي حقق لها شهرة عالمية، وعندما أردت أن أقرأ لها، اطلعت على كتابها الصغير "مانفيستو القراءة" بترجمة مارك أمجد، وهو كتاب يؤكد أن الكتب لا تقاس بحجمها لكن بأثرها.
في صفحات قليلة، تكتب إيريني باييخو دفاعًا عميقًا عن القراءة باعتبارها فعلًا إنسانيًا يغير حياة الفرد ويعيد تشكيل المجتمع، وتنطلق في الكتاب من خبرة شخصية ومن معرفة واسعة بتاريخ الكتب، لتقول إن القراءة كانت دائمًا واحدة من أعظم وسائل البشر لمقاومة العنف والجهل والنسيان.
كتاب مانفيستو القراءة لا يتحدث عن القراءة باعتبارها نشاطًا ساكنًا لكن باعتبارها مغامرة إنسانية، فالقارئ حين يفتح كتابًا يدخل حياة أخرى، ويسافر في أزمنة لم يعشها، ويصغي إلى أصوات أشخاص رحلوا منذ قرون، ويكتشف في الوقت نفسه مناطق جديدة داخل ذاته، من هنا تصبح القراءة توسيعًا للعالم، لا مجرد تلقٍ لمعلومات.
وتلفت إيريني باييخو النظر إلى أن الحضارات الكبرى ارتبطت دائمًا بفكرة الكتابة والحفظ والنقل، فحين دون الإنسان تجاربه كان بصورة أو بأخرى يؤسس ذاكرة مشتركة تتجاوز عمره القصير، ومن دون هذه الذاكرة ما كانت الأفكار لتنتقل، ولا العلوم لتتراكم، ولا الآداب لتصل إلينا، القراءة هنا امتداد لسلسلة بشرية طويلة، يسلم فيها جيل ما عرفه إلى الجيل التالي.
ومن أجمل ما يطرحه الكتاب دفاعه عن المكتبات، فالمكتبة عند إيريني باييخو ليست مخزنًا للورق، لكنها مساحة للحرية، وملجأ ضد القسوة، ومكان يجد فيه الإنسان نفسه بين رفوف تضم أصواتًا وتجارب من العالم كله، لهذا يبدو الدفاع عن المكتبات دفاعًا عن حق الناس في المعرفة، وحقهم في أن يحلموا بحياة أوسع من حدود الواقع المباشر.
ولا تتجاهل الكاتبة العصر الرقمي، لكنها لا تقع في فخ المقارنة السهلة بين الشاشة والورق، هي تدرك أن الوسائط تتغير، وأن البشر سيواصلون القراءة بأشكال مختلفة، غير أن جوهر الفعل نفسه يبقى ثابتًا، البحث عن المعنى ورغبتهم العارمة في الفهم وحاجتهم الكبرى إلى رواية القصص والاستماع إليها، من هنا قد تتغير التقنية لكنها لا تلغي الحاجة الإنسانية القديمة إلى الحكاية والمعرفة.
ويمنح الكتاب أهمية خاصة للأطفال والناشئين، لأن القراءة المبكرة لا تصنع قارئًا فقط، بل تصنع خيالًا أوسع، وقدرة أفضل على التعبير، ووعيًا أكثر رحابة بالآخرين، فالطفل الذي يعتاد الكتب لا يربح مهارة لغوية فحسب، لكنه يربح أيضا فرصة مبكرة لتكوين حسه الإنساني والجمالي.
كتاب "مانفيستو القراءة" في جوهرة رسالة محبة للكتب، ورسالة ثقة في الإنسان، إنه يذكرنا بأن العالم، مهما ازداد صخبًا، ما زال يحتاج إلى قارئ يجلس في هدوء، يفتح كتابًا، ويمنح نفسه فرصة أخرى للفهم، وربما لهذا السبب يبدو هذا الكتاب الصغير أكبر من حجمه، لأنه لا يتحدث عن القراءة فقط، بل عن معنى أن نظل بشرًا قادرين على الإصغاء والتخيّل والتعلم.
هذا الكتاب الصغير مؤشر قوي كيف تفكر إيريني باييخو، وما الذي يشغلها، ويكشف من ناحية أخرى لماذا تملك هذه الشهرة، وكيف أن أسلوبها الذي يمزج المعلومات بالسرد الدرامي قادر على التأثير في المتلقي، وفي انتظار ترجمة كتابها الأشهر "بردية في غاية الطول".