تتواصل في الأرجنتين وقائع واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الحديث، مع انطلاق إعادة محاكمة وفاة الأسطورة دييجو مارادونا داخل محاكم مدينة سان إيسيدرو شمال بوينس آيرس، وسط اتهامات خطيرة للفريق الطبي المشرف على علاجه بالإهمال الذي أدى إلى وفاته عام 2020.

بنات مارادونا
سنوات من الجدل حول ظروف وفاته واتهامات بقتله
وتعيد هذه المحاكمة فتح ملف وفاة النجم الأرجنتيني، الذي يُعد أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ، بعد سنوات من الجدل حول الظروف التي أحاطت برحيله، وما إذا كان يمكن إنقاذه لو تم توفير رعاية طبية أفضل في أيامه الأخيرة.
ويرى الادعاء العام أن وفاة مارادونا لم تكن مجرد نتيجة لتدهور حالته الصحية، بل نتاج إهمال طبي جسيم من جانب الطاقم المعالج له بعد خضوعه لجراحة في الدماغ لإزالة جلطة دموية.

قضية مارادونا
ويواجه سبعة من أفراد الفريق الطبي، بينهم جراح الأعصاب ليوبولدو لوكي والطبيبة النفسية أجوستينا كوساتشوف، تهمة القتل غير العمد بالإهمال، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى السجن بين 8 و25 عامًا في حال ثبوت الإدانة. كما يُحاكم متهم ثامن في ملف منفصل.
وقال محامي ابنتيه، فرناندو بورلاندو، أمام المحكمة: لقد قُتل، في إشارة إلى أن الإهمال الطبي لم يكن مجرد خطأ مهني بل عامل مباشر في الوفاة، ما يرفع سقف الاتهامات في القضية إلى مستوى جنائي خطير.
الساعات الأخيرة في حياة مارادونا
وكشفت التحقيقات أن مارادونا تُرك وحيدًا لساعات طويلة قبل وفاته، دون مراقبة طبية كافية، رغم وجود مؤشرات واضحة على تدهور حالته الصحية. ويشير الادعاء إلى أن الفريق الطبي تجاهل عدة علامات تحذيرية كان من شأنها أن تستدعي تدخلاً عاجلًا.
ووفقًا للتقارير الطبية، كان مارادونا يعاني من أمراض خطيرة مزمنة، من بينها اعتلال عضلة القلب التوسعي، وتليف الكبد، إضافة إلى مشاكل قلبية حادة جعلت حالته شديدة الخطورة. كما أفاد خبير الطب الشرعي أن قلبه كان أكبر من حجمه الطبيعي بمرتين تقريبًا، ما زاد من احتمالات الوفاة المفاجئة.
تفاصيل صادمة حول أسلوب الرعاية
ضمن مجريات المحاكمة، ظهرت شهادات أثارت جدلًا واسعًا حول طريقة التعامل مع مارادونا خلال أيامه الأخيرة، إذ تحدث الادعاء عن إهمال في النظافة والرعاية، إضافة إلى عدم توفير متابعة طبية دقيقة، ما اعتبره الادعاء دليلاً على سوء الإشراف.
كما أثيرت مزاعم حول استمرار تعاطيه للكحول واستخدامه الحبوب المنومة خلال فترة العلاج، وهي عوامل يرى الدفاع أنها تعكس تعقيد حالته الصحية، وليست بالضرورة نتيجة مباشرة لإهمال الفريق الطبي.
جدل قانوني ودفاع ينفي المسؤولية
في المقابل، نفى الدفاع الطبي جميع الاتهامات، مؤكدًا أن وفاة مارادونا كانت متوقعة بسبب تاريخه الصحي الطويل والمعقد، وإدمانه السابق على الكحول والمخدرات، وأن الفريق الطبي بذل ما بوسعه لإنقاذه.
ويرى محامو الدفاع أن الحالة الصحية للنجم الأرجنتيني كانت متدهورة بشكل لا يمكن السيطرة عليه بالكامل، ما يجعل من الصعب تحميل الطاقم الطبي مسؤولية جنائية مباشرة عن الوفاة.
محاكمة طويلة وشهادات مرتقبة
من المتوقع أن تستمر جلسات المحاكمة لعدة أشهر، مع الاستماع إلى نحو مئة شاهد، بينهم أفراد من عائلة مارادونا، وزوجته السابقة، وعدد من الأطباء والخبراء.
وتتابع الأوساط الرياضية والإعلامية العالمية هذه القضية عن كثب، نظرًا لمكانة مارادونا كأحد أعظم نجوم كرة القدم، خاصة بعد قيادته منتخب الأرجنتين للتتويج بكأس العالم 1986، وخلوده في ذاكرة اللعبة عبر أهدافه الشهيرة.
قضية تتجاوز الرياضة
لا تُعتبر هذه المحاكمة مجرد قضية طبية أو قانونية، بل تحولت إلى ملف إنساني واجتماعي يعكس جدلًا أوسع حول المسؤولية الطبية في رعاية الشخصيات العامة، وحدود الإهمال، وما إذا كانت بعض الوفيات كان يمكن تفاديها برعاية أفضل.
وبين الاتهامات والدفاع، تبقى الحقيقة النهائية رهن ما ستكشفه جلسات المحكمة المقبلة، في واحدة من أكثر القضايا متابعة في الأرجنتين والعالم.