أيام مباركة تحمل نفحات روحانية تهب على القلوب فتغسلها وتنقى أرواحها وتزكيها، هو شهر الرحمة والغفران شهر رمضان الكريم، فيه يتسابق العباد لنيل المغفرة.
في هذا الشهر العظيم يقدم "اليوم السابع" سلسلة من الحلقات المتتالية عن توضيح الأية الكريمة في قول الله عز وجل: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعً، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا". الأيه 103 – 105 من سورة الكهف، في برنامج بعنوان " الأخسرين أعمالا" ويصاحبنا فضيلة الشيخ محمود الطحان أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، لفهم ما تحمله الآية من هدايات وإرشادات.
استغلال بعض الآباء والأمهات لقضية بر الوالدين
وتتناول الحلقة الأولى من برنامج "الأخسرين أعمالا" نوعًا من أنواع الخسران، يتمثل في استغلال بعض الآباء والأمهات لقضية بر الوالدين، حيث يظن بعضهم أنهم يحسنون صنعًا ويقومون بأمر الله، بينما يكمن الخلل بحسب طرح فضيلة الشيخ في المنهج والفهم للنص القرآني، وليس في حجم الجهد المبذول مع الأبناء.
البر عبادة عظيمة لكنه لا يبيح الظلم أو إلغاء شخصية الأبناء
وأوضح فضيلة الشيخ محمود الطحان، أن الاستدلال بقوله تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" لا يعني تحويل الحق الشرعي في البر إلى أداة ضغط أو وسيلة للسيطرة أو باب للظلم تحت غطاء ديني، فالشرع قرر أن بر الوالدين من أعظم العبادات، كما في قوله تعالى: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ"، وورد في الحديث الشريف أن أحب الأعمال إلى الله "بر الوالدين".
وطرح "فضيلته" تساؤلًا جوهريًا: هل البر تفويض مطلق بالتحكم في الأبناء؟ وهل يبيح الظلم أو إلغاء شخصية الابن أو البنت؟ ويأتي الجواب الشرعي بالنفي، مؤكدًا أن الخلل يبدأ من استخدام النص خارج مقصده، فتتحول الولاية التي تشمل الرعاية والرحمة والتوجيه إلى تسلط أو ابتزاز عاطفي باسم الدين. وضُربت أمثلة لذلك، منها منع الأب ابنته من الزواج بشخص كفء لغرض شخصي، أو فرض اختيارات حياتية لا تحقق مصلحة الأبناء، أو التهديد بالعقوق والحرمان من الميراث حال عدم تنفيذ الأوامر في كل الأمور، وهو ما اعتُبر مخالفًا للمنهج الشرعي.
واستشهد "أمين الفتوى" في طرحه بقوله تعالى: "وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا"، مع تأكيد المعاشرة بالمعروف في قوله: "وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا"، بما يعكس ميزانًا دقيقًا يقوم على البر دون معصية، والإحسان دون ظلم، والطاعة في المعروف دون إلغاء للعقل أو ضياع للحقوق.
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. ميزان دقيق بين الإحسان والعدل
كما شدد "فضيلته" على خطورة تصور عصمة الوالدين أو اعتبارهم فوق المحاسبة الشرعية، مستندًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقوله: "إنما الطاعة في المعروف". وأكد أن الطاعة لا تجوز في حال ترتب عليها قطيعة رحم أو ظلم للزوج أو الزوجة أو إهدار حق ثابت أو إيقاع ضرر نفسي أو اجتماعي.
وأكد أمين الفتوى أن هذا النمط يمثل صورة من صور قوله تعالى: "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، حيث قد يظن البعض أنه يربي ويؤدب، بينما يزرع الظلم ويهدم العلاقات وهو يعتقد أنه يحسن صنعًا.
واختتمت فضيلة الشيخ محمود الطحان حلقته الأولى بالتأكيد على أن منهج الإسلام يوازن بين وجوب البر وتحريم العقوق من جهة، ورفض الظلم والأذى من جهة أخرى، مشددة على أن الميزان عند الله ليس بكثرة الأوامر، بل بعدل المنهج ورحمة التطبيق وصحة القصد، مع الدعاء بأن يجعل الله الجميع من المبصرين لا من المخدوعين.