الحرب على إيران قادمة لا محالة، وباتت أمرا حتميا، وكل ما يقال خلاف ذلك لا يعدو كونه محاولة للتشبث بأي ذريعة وأمل قد تؤخر لحظة المواجهة لا أكثر.
إدارة ترامب لم تعد تتعامل مع إيران باعتبارها “ملفا نوويا”، بل باعتبارها نظاما سياسيا يجب إخضاعه أو كسره كما حدث مع فنزويلا أو ما يسعى حاليا لتنفيذه ضد كوبا. لقد تجاوزت واشنطن منذ فترة منطق احتواء السلوك الإيراني وممارسة استراتيجية العقوبات والضغط القسوى إلى منطق إعادة هندسة النظام نفسه، ووضعه على مسار السقوط والتغيير خاصة بعد فشل الرهان على خيار إسقاط النظام من الداخل عبر الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية.
هذا التحول بدأ فعليا خلال حرب غزة، حين استخدمت إدارة بايدن الصراع كغطاء استراتيجي لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية المحيطة بإيران. في تلك المرحلة، لم تكن القطع الحربية الأمريكية التي تدفقت إلى الشرق الأوسط تهدف إلى ردع طهران بقدر ما كانت تؤمن مساحة زمنية لإسرائيل كي تضعف المحاور والأذرع الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن . ومع إضعاف هذه الأذرع وخروج سوريا تماما بعيدا عن التأثير والتوظيف الإيراني، أصبح الطريق مفتوحا للانتقال من استهداف المحيط إلى استهداف المركز.
جاءت حرب الـ 12 يوما لتؤكد هذا الانتقال، حيث دعمت واشنطن هجوم إسرائيلي واسع على إيران، كما نفذت الولايات المتحدة ضربات مركزة ضد منشآت نووية وصاروخية داخل إيران، في رسالة واضحة بأن طهران لم تعد محمية بخطوط حمراء. كان الهدف الحقيقي من تلك الجولة اختبار قدرة النظام الإيراني على امتصاص الضربة، وقياس حجم الرد، ومدى استعداد الإقليم للانفجار. والنتيجة كانت أن واشنطن وتل أبيب اكتشفوا أن ضرب إيران مباشرة أصبح ممكنا دون أن يؤدي تلقائيا إلى حرب شاملة.
هناك حاجة لفهم التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة. فتحريك حاملة طائرات "إبراهام لينكولن" كاملة مع مدمراتها، ونشر مقاتلات هجومية بعيدة المدى، وإرسال قاذفات استراتيجية، وتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي، وإجراء تدريبات جوية واسعة، لا يمكن تفسيره باعتباره تحركات لردع إيران، فالردع يفترض أن الطرف الآخر يستعد للهجوم، بينما الواقع أن طهران ولا حتى أذرعها لم يظهروا مؤشرات على الرغبة في بدء الضربة الأولى. ما يجري في الحقيقة هو إعداد مسرح عمليات للحرب القادمة، حيث تعمل واشنطن على تأمين قواعدها وحلفائها وحرية حركتها قبل إطلاق الضربة الرئيسية.
ترامب حسم خياره، والتراجع عن هذا المسار يتطلب من إيران تقديم تنازلات مستحيلة "التخلي تماما عن البرنامج النووي + التخلي عن مشروع الصواريخ البالستية خاصة طويلة المدى - التخلي تماما عن دعم أذرعها في الإقليم"، وكلها شروط لن يقبلها نظام الملالي الحاكم هناك.
وفي رأي أن كل التحركات الإقليمية التي شهدناها من مصر والسعودية وقطر وتركيا وسلطنة عمان لم تكن سوى محاولة لتأجيل لحظة الصدام ومنح نافذة أخيرة للمفاوضات وفرصة لطهران لتقديم تنازلات لتفادي الحرب، لكنها لم تغير الاتجاه العام للقرار الأمريكي الذي يرغب في خضوع إيراني كامل لكافة المطالب الأمريكية، وإيران لن تفعل ذلك لأن النتيجة ستكون سقوط مشروع ثورة 1979 بالكامل، كما أن تنفيذ المطالب الأمريكية الإسرائيلية لن يمنع بالضرورة من استمرار استراتيجية تطويق وإسقاط النظام.
ومع ذلك، فإن الضربات الأمريكية "القادمة لا محالة" حتى لو رافقتها إسرائيل، لن تعني بالضرورة إسقاط النظام الإيراني. الأرجح أنها ستستهدف مراكز القيادة والسيطرة، والبنية العسكرية والاقتصادية الاستراتيجية، والصف الأول من القيادة بما في ذلك المرشد الأعلى، بهدف شل قدرة النظام على الحكم والردع، لا إسقاطه فوريا. لكن هذا السيناريو لا يعني أيضا أن إيران ستقف مكتوفة الأيدي، بل سترد باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وبوتيرة أعلى مما شهدناه خلال حرب الـ 12 يوما خاصة إطلاق الصواريخ البالستية الإستراتيجية، وهنا أيضا المدن الإسرائيلية ستكون ضمن بنك الأهداف الإيرانية.
وما هذه المواجهة القريبة، وبخلاف حرب يونيو 2025، فمتوقع أن تدخل الأذرع الإيرانية "حزب الله في لبنان - الفصائل العراقية - الحوثيون في اليمن" إلى المعركة، لأن اللحظة ستكون فارقة، فهذه ستكون حرب وجود لإيران وللأذرع، كما أن هناك قناعة ويقين لدى ما يسمى محور المقاومة أنه في حال سقطت طهران سيعني بالضرورة إنهاء الأذرع وقطع شريان الدعم الإيراني.
دخول الأذرع هذه المواجهة سيحول الضربة الأمريكية من عملية محدودة إلى حرب إقليمية واسعة، وعندها لن يكون الصراع مجرد مواجهة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بل انفجارا كبيرا يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط بالقوة. وهذا يفسر التحركات الأمريكية الواسعة تجاه العراق لتحييد كتائب حزب الله العراقي بل وقطع أي علاقات اقتصادية بين بغداد وطهران.
من غير المستبعد في حال انتقلت المواجهة لمرحلة يصعب السيطرة عليها أمريكيا بما يؤثر على ترامب داخليا "انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس" أو نجاح إيران في إحداث خسائر استراتيجية للأصول العسكرية الأمريكية في المنظمة، أو عبر منظومات الدفاع الجوي المشتركة أن تحمي البنى التحتية الإستراتيجية في إسرائيل، أن يقدم ترامب على إعلان وقف الحرب تحت ذرائع سياسية ودعائية بأن إيران قدمت تنازلات استراتيجية وأن واشنطن جاهزة للتفاوض، وهنا لن تخرج إيران أقوى من المعركة كما يسوق البعض، بل ستخرج أضعف وسيكون عليها تحضير نفسها لجولات أخرى.