زفة في السماء قبل 90 يوماً من عرس الأرض.. والدة الشهيد محمود أبو العز تروي لـ اليوم السابع سيرة بطل اختار الوطن : مصر كانت أغلى من عمره.. الرئيس يرعى أسر الشهداء.. والدولة لا تنسى من ضحى من أجل الوطن

الأحد، 25 يناير 2026 09:30 م
زفة في السماء قبل 90 يوماً من عرس الأرض.. والدة الشهيد محمود أبو العز تروي لـ اليوم السابع سيرة بطل اختار الوطن : مصر كانت أغلى من عمره.. الرئيس يرعى أسر الشهداء.. والدولة لا تنسى من ضحى من أجل الوطن والدة الشهيد محمود أبو العز تروي لـ"اليوم السابع" سيرة البطل

حوار محمود عبد الراضي

تتزين الشوارع وتخفق القلوب بعزة الفخر مع حلول الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، تلك الذكرى التي تعيد إلى الأذهان مشهد الصمود الأسطوري لرجال الشرطة في مدينة الإسماعيلية يوم الخامس والعشرين من يناير عام 1952.

حينها، رفض أبطالنا الاستسلام لغطرسة المحتل، وسطروا بدمائهم ملحمة بقيت خالدة في وجدان الأمة، واليوم، ونحن نستحضر تلك الروح، يبرز جيل جديد من الشهداء الذين ساروا على ذات النهج، وقدموا أرواحهم رخيصة لتبقى مصر واحة للأمن والأمان، ومن بين هؤلاء الأبطال الذين حفروا أسماءهم في سجلات المجد بمداد من نور، يبرز اسم الشهيد البطل محمود أبو العز، الذي لم يغب طيفه عن عائلته ولا عن وطنه، وباتت سيرته قصة تروى في بيوت المصريين كنموذج للفداء.

وفي هذا الإطار الإنساني والوطني، كان لنا وقفة مع السيدة أحلام محمد، والدة الشهيد البطل محمود أبو العز، التي فتحت لنا خزائن أسرارها المليئة بالحكايات والمواقف، وتحدثت بلسان يلهج بالصبر وفؤاد ينبض بالفخر لجريدة اليوم السابع، مسترجعة تفاصيل حياة ومسيرة نجلها الذي غادر دنيانا بجسده وبقي أثره منارة تلهم الأجيال.

 

استعادة شريط الذكريات

بملامح وقورة وصوت يتهدج بمزيج من الأسى المكتوم والاعتزاز الشديد، بدأت الأم حديثها باستعادة شريط الذكريات، مؤكدة أن ابنها لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجبه المهني، بل كان مشروع شهيد يمشي على الأرض، يحمل في قلبه إيماناً لا يتزعزع بأن حماية الأرواح هي أسمى الغايات التي يمكن أن يفنى المرء من أجلها.

تقول الأم المكلومة إن محمود كان يستعد لدخول عش الزوجية، حيث بدأت العائلة بالفعل في ترتيبات العرس الذي كان مقرراً له أن يتم بعد ثلاثة أشهر فقط من تاريخ استشهاده.


كان شاباً في مقتبل العمر، يحلم بالاستقرار وبناء أسرة، وكان كأي شاب مقبل على الحياة يخطط لمستقبله بشغف ويختار مع عروسه تفاصيل بيتهم الجديد، إلا أن نداء الواجب كان دائماً هو الأقوى في وجدانه.


تصفه قائلة: "لقد كان عريساً ينتظر زفته بين أهله وأصحابه، لكن الله اختار له زفة أعظم في موكب الشهداء والصديقين.
لقد فضل لقاء ربه وهو يذود عن تراب هذا الوطن، واختار أن يضحي بكل أحلامه الشخصية وبفرحة ليلة عمره من أجل أن ينام المصريون في أمان، ومن أجل أن تظل الدولة قائمة وقوية".

وتسترسل السيدة أحلام في وصف تفاصيل شخصية الشهيد، مشيرة إلى أنه كان شاباً محباً للحياة بمعناها النبيل، يحب الجميع دون استثناء، ويمد يد العون لكل من يقصده حتى قبل أن يطلب المساعدة.

 

الشرطة في خدمة الشعب قولاً وفعلاً

كان محمود يجسد في تعامله مع الناس فكرة أن الشرطة في خدمة الشعب قولاً وفعلاً، فلم يفرق يوماً بين قريب أو غريب في تقديم المساعدة، وكان يرى في بدلته العسكرية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة رسمية.
وتضيف الأم بدموع تلمع في عينيها: "ابني كان يرسخ لنا دائماً فكرة أن الوطن أغلى من العمر، وكان يرددها في كل مناسبة كأنما كان يهيئنا لتلك اللحظة. كان تفانيه في عمله نابعاً من حب حقيقي لهذه الأرض، وليس مجرد التزام وظيفي يؤديه للحصول على راتب أو مكانة".

وعن اللحظة القاسية التي تلقوا فيها نبأ الاستشهاد، تروي الأم بمرارة أن الخبر وقع كالصاعقة التي زلزلت كيان الأسرة بأكملها فقد كان الحزن كبيراً لدرجة تفوق الوصف، حيث وجع الفراق قلبها وأحدث جرحاً غائراً لا يندمل بمرور الأيام أو تعاقب السنين.


وتؤكد أنها ستظل طوال ما تبقى من عمرها تبكيه، ليس اعتراضاً على القدر أو مشيئة الله، بل لأن الفقد كان جسيماً ولأن الشخص المفقود كان استثنائياً في كل شيء، في خلقه وفي أدبه وفي شجاعته.


تقول: "أنا أتذكره في كل يوم وفي كل ساعة، بل في كل دقيقة تمر عليّ، لا يغيب عن بالي لحظة واحدة، أتذكر جلساته معنا في صالة المنزل، وضحكاته الصافية التي كانت تضفي البهجة على المكان، وبره الشديد بي وبوالده الذي لم يرفض لنا طلباً يوماً ما".


لقد كان محمود بالنسبة لها ليس فقط ابناً، بل كان حبيباً وصديقاً وسنداً، رحل وترك خلفه فراغاً لا يملؤه سواه، وصوراً معلقة على الجدران تنطق بالبطولة.

 

الدولة لم تخذل أبناءها يوماً

وفي سياق الحديث عن عيد الشرطة، تلك المناسبة التي تفيض بالمشاعر الوطنية، أكدت السيدة أحلام محمد أن الدولة لم تخذل أبناءها يوماً، ولم تنسَ تضحيات أبطالها الذين قدموا أغلى ما يملكون في سبيل استقرارها.
وأشارت إلى أن هناك تواصلاً مستمراً من جانب الأجهزة المعنية بوزارة الداخلية، مؤكدة أن القيادة السياسية ممثلة في السيد الرئيس تولي اهتماماً كبيراً وخاصاً بأسر الشهداء والأبطال.


وأوضحت أن الرئيس يحرص دائماً في كافة المحافل على تكريم ذكرياتهم وتلبية احتياجات ذويهم، مما يشعرهم بأن دماء أبنائهم لم تذهب سدى، وأن الوطن يقدر جيداً حجم التضحية التي قدمت من أجل بقائه. هذا الاهتمام الرسمي والشعبي يمثل ضِماداً لجراح أمهات الشهداء، ويؤكد أن عقيدة الوفاء هي جزء أصيل من منهج الدولة المصرية الحديثة.

وتتابع الأم حديثها قائلة إن عيد الشرطة بالنسبة لها هو عيد لـ "محمود" ولكل زملائه الذين ساروا على دربه، وهو يوم لتجديد العهد بأن مصر لن تسقط أبداً ما دام فيها أمهات يربين أبناءهن على حب الفداء.
وتقول بصوت مليء بالثبات: "عندما أرى تكريم الدولة لاسم ابني، أشعر أن محمود ما زال حياً بيننا، وأن سيرته العطرة هي التي تمنحنا القدرة على مواصلة الحياة". وتذكرت كيف كان الشهيد يحرص على الاحتفاء بهذا اليوم وهو على رأس عمله، وكيف تحول الآن هو نفسه إلى أيقونة يحتفى بها في هذا التاريخ المجيد.

واختتمت الأم حديثها بتوجيه تحية إجلال وتقدير لكل أم شهيد صابرة محتسبة، ولكل زوجة بطل تحملت عناء الفراق ومسؤولية تربية الأبناء على نهج الآباء المخلصين. وجهت تحية حارة لكل رجال الشرطة المرابطين في مواقعهم، ولكل المخلصين لهذا الوطن الذين يقفون حائط صد ضد كل من يحاول المساس بأمن مصر واستقرارها.


إن قصة الشهيد محمود أبو العز هي واحدة من آلاف القصص التي سطرها رجال الشرطة بمداد من نور وفخر، وهي تذكرة دائمة لكل الأجيال بأن ثمن الحرية والأمان هو دماء طاهرة زكية، ستظل رائحتها تعطر تراب مصر وتزين صفحات تاريخها إلى أبد الآبدين، فسلام على روح محمود، وسلام على كل من ضحى ليعيش الوطن، وجعل الله مثواهم الفردوس الأعلى جزاءً وفاقاً لما قدموا لوطنهم وشعبهم الأبي، لتبقى ذكرى 25 يناير رمزاً خالداً لعزة مصر وكرامة رجالها.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة