في قلب الريف المصري، لم تعد أصوات المكابس مجرد ضجيج، بل هي إيقاع "الاقتصاد الأخضر" الجديد، تشير أحدث تقارير وزارة البيئة لعام 2026 إلى أن مصر نجحت في تحويل المخلفات الزراعية من عبء بيئي كلف الدولة عقوداً من مواجهة "السحابة السوداء"، إلى مادة خام لصناعات استراتيجية، وبفضل استراتيجية "صفر مخلفات"، أصبحت مصر اليوم نموذجاً إقليمياً في تدوير الكتلة الحيوية بدعم محلي ودولي واسع، ففي الوقت الذي تسابق فيه دول العالم الزمن لمواجهة التغيرات المناخية، تضع مصر ملف "المخلفات الزراعية" على رأس أولويات الاقتصاد الدوار، فلم تعد أطنان قش الأرز وحطب الذرة وسعف النخيل مجرد مخلفات تحرق لتلوث سماءنا، بل تحولت بفضل رؤية وزارة البيئة ودعم الجهات المانحة إلى "صناعات استراتيجية" توفر العملة الصعبة وتخلق آلاف فرص العمل.
خارطة الطريق لتحويل التحدى لفرصه
إن ما يشهده قطاع تدوير المخلفات الزراعية في مصر اليوم ليس مجرد حلول بيئية مؤقتة، بل هو "ثورة صناعية خضراء متكاملة الأركان، فمن خلال دمج التكنولوجيا الألمانية في مصانع الأخشاب بـ إدكو، وتوظيف دعم البنك الدولي ومنظمة اليونيدو في قرى صعيد مصر، نجحت الدولة في إثبات أن الحفاظ على البيئة هو أقصر طريق لتحقيق التنمية الاقتصادية، ويبقى الرهان القادم على استمرار تحفيز القطاع الخاص، الذي بات يدير حالياً 22 مصنعاً متخصصاً، لرفع نسبة التدوير إلى 37% حالياً إلى معدلات عالمية، ليظل "الذهب الأخضر" المصري محركاً أساسياً لنمو مستدام يحمي الأرض ويغذي الصناعة.
تقارير بيئية
بحسب أحدث تقارير وزارة البيئة فان مصر تنتج سنوياً نحو 90 مليون طن من المخلفات بأنواعها، تمثل المخلفات الزراعية منها نسبة 34%، مما يفتح الباب أمام استثمارات مليارية تحول "تحدي السحابة السوداء" إلى قصة نجاح دولية في تدوير الكتلة الحيوية، فى مشروعات البيوجاز.
ظاهرة السحابة السوداء
اكدت الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، انه نجحت مصر في تغيير الصورة الذهنية للمخلفات الزراعية، خاصة "قش الأرز" الذي كان المصدر الرئيسي لظاهرة السحابة السوداء. تشير التقارير الأخيرة لوزارة البيئة إلى أن مصر تولد سنوياً حوالي 40 مليون طن من المخلفات الزراعية، يتم حالياً تدوير ومعالجة نسبة كبيرة منها بدلاً من الحرق، مما ساهم في خفض الانبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ.
منظومة قش الأرز
وفقاً لتقرير وزارة البيئة السنوي، وصلت نسبة جمع وكبس قش الأرز في الموسم الأخير إلى معدلات قياسية للمستهدف من جمع وتدوير ما يقرب من 500 ألف طن من خلال المواقع التابعة للوزارة، و فتح مئات مراكز التجميع للشباب كمتعهدين، مما خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، لتفادي انبعاث آلاف الأطنان من ملوثات الهواء وتوفير بدائل للأعلاف والسماد العضوي.
دعم وزارة البيئة
اكد الدكتور على ابو سنه الرئيس التنفيذي لجهاز شئون البيئة، انهوتتبنى الوزارة استراتيجية تعتمد على الاستثمار في البشر، حيث قدمت دعم المعدات: توفير مكابس وجرارات للمزارعين بتمويلات ميسرة، اضافة الى مشروعات إنتاج البيوغاز، حيث تم التوسع في وحدات الغاز الحيوي بقرى "حياة كريمة"، وتم إنشاء مئات الوحدات التي تحول مخلفات الثروة الحيوانية والزراعية إلى طاقة نظيفة وسماد عضوي.
شراكات دولية وجهات مانحة
فى ذات السياق يلعب التعاون الدولي دوراً محورياً في تمويل ونقل التكنولوجيا، ومن أبرزهابرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لدعم مشروعات تحويل المخلفات إلى طاقة، ومنظمة "اليونيدو" التى تركيز على سلاسل القيمة في المخلفات الزراعية بصعيد مصر، وكذلك البنك الدولي لتمويل "مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى" الذي يخصص جزءاً كبيراً منه لمنظومة المخلفات الصلبة والزراعية.
الاستثمارات الصناعية الكبرى
انتقلت مصر من التدوير التقليدي إلى التصنيع الثقيل، وأبرز هذه المشروعات مصنع مدينة إدكو، لإنتاج الألواح الخشبية متوسطة الكثافة (MDF) من قش الأرز باستثمارات ضخمة، وهو الأول من نوعه في المنطقة، كما تم التوسع فى مشروعات صناعة الورق والأعلاف وانشاء خطوط إنتاج تعتمد كلياً على مخلفات الذرة ونخيل البلح في الوادي الجديد.
الاقتصاد الدوار وتوطين صناعة الأخشاب
وقال المهندس يحيى عبد الله مسؤل ملف المخلفات بوزارة البيئة سابقا ، فى تصريحات خاصة لليوم السابع ، انه يعد مشروع مصنع تكنولوجيا الأخشاب فى إدكو، يعد النقلة النوعية الأكبر في تاريخ التعامل مع المخلفات الزراعية في مصر، وتحويلها من "ازمة بيئية" إلى "صناعة ثقيلة" تصديرية، ويعتبر أول مصنع في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا لإنتاج ألواح الخشب متوسطة الكثافة (MDF) باستخدام قش الأرز كمادة خام أساسية، بدلاً من الأخشاب الغابية المستوردة، بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي 205 ألف متر مكعب سنوياً من ألواح الـ MDF.
ويعتمد المشروع على استهلاك نحو 250 ألف طن سنوياً من قش الأرز، والتكنولوجيا المستخدمة تعتمد على تقنية ألمانية، وهي أحدث تكنولوجيا عالمية تضمن جودة تضاهي الأخشاب الأوروبية مع الالتزام بالمعايير البيئية الصارمة، وتبلغ التكلفة الاستثمارية للمشروع نحو 210 مليون يورو اى ما يعادل مليارات الجنيهات، كما يساهم المشروع في خفض فاتورة استيراد الأخشاب، مع توجيه جزء كبير من الإنتاج للتصدير للأسواق العالمية، ويمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم "الاقتصاد الدوار"، حيث يتم تحويل القش الذي كان يُحرق ويسبب "السحابة السوداء" إلى منتج نهائي عالي القيمة، حيث كان يتم التعامل مع قش الأرز عبر حلول مؤقتة مثل كبسه وتخزينه أو تحويله لسماد بسيط، أما الآن فقد أصبح مدخلاً في صناعة الأثاث، والإنشاءات، والديكور، مما يرفع القيمة المضافة للطن الواحد من القش بمئات الأضعاف.
جدير بالذكر ان إجمالي المخلفات الزراعية سنوياً يصل إلى 40 مليون طن، ونسبة جمع قش الأرز في المناطق المستهدفة تتجاوز 90%، وعدد وحدات البيوجاز المنفذة أكثر من 1800 وحدة خفض الانبعاثات ثاني أكسيد الكربون) لآلاف الأطنان سنوياً.