تتواصل احتجاجات المزارعين في عدة دول أوروبية، بما في ذلك فرنسا واليونان وإيرلندا وبولندا، وإسبانيا، ضد الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وكتلة ميركوسور والذي يضم البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وباراجواي وأوروجواي، قبل توقيعه رسميًا في 17 يناير في أسونسيون، وباراجواي، وذلك بعد 25 عاما من المفاوضات.
وهذه التحركات الشعبية تأتي في خطوة تصعيدية تعكس المخاوف العميقة للقطاع الزراعي الأوروبي من تدفق منتجات ميركوسور الرخيصة إلى الأسواق المحلية، وهو ما قد يضر بإنتاجهم ويؤثر على دخلهم.
الاحتجاجات في الشوارع
شهدت فرنسا واليونان خروج عشرات المزارعين إلى الطرق، مستخدمين الجرارات لقطع حركة المرور وعرقلة الدخول إلى المدن، في رسالة واضحة إلى الحكومات الأوروبية بأنهم لن يقبلوا اتفاقًا قد يضر بسبل رزقهم، وأظهرت لقطات الاحتجاج في فرنسا جرارات ضخمة على الطرق السريعة وسط العاصمة، مع رفع شعارات تقول: حماية الزراعة المحلية أولوية.
في اليونان، بقي المزارعون في مواقع الاعتصام لساعات طويلة، مؤكدين أنهم سيستمرون في التحرك طالما لم يتم إعادة النظر في الاتفاق، معتبرين أن الاتفاق سيهدد الزراعة المحلية ويجعل المنتجات الأوروبية غير قادرة على المنافسة مع البضائع القادمة من أمريكا الجنوبية بأسعار أقل بكثير.
تحذيرات من المنتجات الرخيصة
أحد أبرز أسباب غضب المزارعين هو المخاوف من فيض من المنتجات الزراعية الرخيصة جدًا من دول ميكوسور إلى الأسواق الأوروبية، والتي قد تؤدي إلى انخفاض أسعار المنتجات الأوروبية وإلحاق الضرر بالمزارعين المحليين. وفق تحليلات خبراء، قد تشمل هذه المنتجات اللحوم و الحبوب، السكر وفواكه وخضروات معينة، وهي قطاعات تعتمد على دعم المزارعين المحليين للبقاء قادرة على المنافسة.
وأشار أحد المزارعين في إيرلندا إلى أن السوق الأوروبي يجب أن يحمي منتجاته الزراعية قبل السماح بتدفق المنتجات الرخيصة التي قد تطيح بالمزارعين المحليين بالكامل، مؤكدًا أن الاحتجاجات ستستمر حتى سماع الحكومة لمطالبهم.
حشود واسعة في أوروبا
في باريس، قاد المزارعون نحو 100 جرار إلى قلب العاصمة الفرنسية، مع تعليق شعارات ورايات تطالب الحكومة بوقف الاتفاق التجاري لحماية القطاع الزراعي، فيما شهدت إيرلندا تظاهر أكثر من20 ألف شخص ضد الاتفاق، حاملين لافتات تقول: لا للمنتجات الرخيصة من ميركوسور، مطالبين بإجراءات حماية قوية للزراعة الأوروبية.
وفي بولندا، تجمع مزارعون أمام مبانٍ حكومية في وارسو، مؤكدين أن الاتفاق سيؤثر على الأمن الغذائي المحلي ويقوّض إنتاجهم، بينما عبر زعماء الجمعيات الزراعية عن مخاوفهم من تدمير القطاع الزراعي إذا تم إقرار الاتفاق بدون ضمانات واضحة.
خلفية الاتفاق.. 25 عاما من المفاوضات
ويعتبر الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور هو نتيجة أكثر من 25 عامًا من المفاوضات، ويهدف إلى إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من خلال خفض الرسوم الجمركية تدريجيًا على السلع الزراعية والصناعية بين الطرفين.
وأقر مجلس الاتحاد الأوروبي الاتفاق هذا الأسبوع، لكنه لا يزال يواجه مقاومة قوية من المزارعين والدول التي ترى أنه قد يؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من المنتجات الرخيصة إلى الأسواق المحلية، ما قد يهدد إنتاجهم ويخفض دخلهم.
توازن دبلوماسي حساس
يشير المحللون إلى أن الاحتجاجات تعكس توازنًا دبلوماسيًا حساسًا بين مصالح التجارة الدولية واحتياجات المزارعين المحليين. فبينما يسعى الاتحاد الأوروبي لتوسيع علاقاته التجارية وتحفيز التبادل مع أمريكا الجنوبية، يبرز القلق من أن السياسات التجارية الحرّة قد تأتي على حساب الزراعة المحلية وحماية الأمن الغذائي الأوروبي
وتسلط الاحتجاجات الضوء على المخاطر الاجتماعية والسياسية لاتفاقيات التجارة الحرة على المجتمعات المحلية، مما يجعل من الضروري أن تعيد الحكومات الأوروبية النظر في سياسات حماية القطاع الزراعي قبل إقرار الاتفاق بشكل نهائي.