إرث ممتد من الأخوة والدعم المتبادل تميزت به العلاقات المصرية ـ السعودية؛ وأكدته العبارات والتصريحات الرسمية فى مقدمتها كلمات الرئيس السيسى التى كررها فى أكثر من مناسبة التى لخص فيها أهمية العلاقات المصرية ـ الخليجية وتحديدًا المملكة العربية السعودية، قائلا "مسافة السكة، وأمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى"، وبرهنت عليه المواقف المتعددة عبر محطات تاريخية لا ينكرها أحد.
العلاقات التى تجمع مصر والسعودية متجذرة تاريخيا فعقب توحيد المملكة كان البلد الأول الذى يزوره الملك عبد العزيز مؤسس المملكة السعودية هو مصر قبل أن تصبح جمهورية، فالعلاقات ممتدة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والسياسية، وشارك الجيش السعودى فى جميع الحروب التى خاضتها مصر ابتداء من حرب 1948، و1967 و1973، فهما يتحالفان دائما لحماية الأمن القومى العربى، وأيضا كان للملك فيصل موقف قوى إزاء جميع الأزمات التى مرت بها مصر، مهما حاول المغرضون النيل منها لن يفلحوا.
وكانت الرؤى المصرية السعودية الموحدة إزاء القضايا المهمة فى المنطقة بمثابة ركيزة الاستقرار في المنطقة، ومواقف البلدين تجاه القضايا الإقليمية والدولية دائما متطابق، ووقوفهما إلى جانب بعضهما يؤكد مدى عمق العلاقات بينهما وهذا العمق الاستراتيجي في علاقاتهما يخدم قضايا المنطقة والاستقرار العالمي، فمنذ فترة الملك عبدالعزيز حتى اليوم والعلاقات السعودية المصرية نموذج للعلاقات بين بلدين شقيقين.
علاقات فوق الأزمات
وظلت مصر والمملكة على مدى تاريخهما تحتفظان بعلاقات مميزة، حافظتا عليها، ولم تزدها الظروف التى مرت بالأمة العربية إلا متانة ورسوخاً.
وفي كل أزمة تمر بأى منهما وجدنا البلد الآخر أول من يقف معه ويدعمه ويؤازره ويدعم خياراته، فعندما قررت السعودية تحرير الكويت 1990 وشكلت تحالفا كانت مصر أول المساندين والمتحالفين مع المملكة.
علاقات المملكة بمصر شخصها ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان عندما قال: "العلاقات المصرية - السعودية، علاقات صلبة قوية، وهى فى أعمق جذور العلاقات بين الدول، وأضاف: "علاقات المملكة بمصر لا تتأثر بأى شكل من الأشكال".، وتابع الأمير محمد بن سلمان: "على مر التاريخ مصر والسعودية دائماً تقفان مع بعضهما في كل الظروف".
ونتذكر هنا أن ولى العهد وفى أول جولة دولية له عقب توليه ولاية العهد بدأ جولته الدولية بزيارة مصر وهذا دليل واضح على مكانة مصر لدى السعودية والسعوديين ودليل على ثقلها العربى والإقليمى.
يضاف إلى ذلك أن المملكة ومصر ركنان أساسيان فى وطننا العربى ولا يمكن أن ينجح أى تحرك بدونهما.
وعبر مراحل التاريخ المختلفة برهنت المملكة العربية السعودية على اعتزازها بمكانة مصر فى العالم العربى مما جعلها الداعم والمساند الأول للقاهرة فى أعقاب ثورة 30 يونيو، كما بادرت السعودية بتقديم حزمة من المساعدات تبلغ 4 مليارات دولار لدعم اقتصاد مصر.
لم يكن هذا أول دعم سعودى لمصر فقد قدمت المملكة عام 1956 نحو 100 مليون دولار للقاهرة، بعد سحب العرض الأمريكى لبناء السد العالى وفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، وسبقها دور مهم لعبته السعودية فى دعم مصر، إبان التدخل الإسرائيلى على أرضها، وفى حرب أكتوبر 1973، قامت بقطع إمدادات البترول عن الولايات المتحدة الأمريكية و"ساهمت المملكة فى الكثير من النفقات التى تحملتها مصر قبل الحرب، وقادت الرياض معركة البترول لخدمة حرب أكتوبر، وفق هيئة الاستعلامات المصرية.
مصر تصد حملات مغرضة ضد المملكة
وبالمقابل كانت مصر بكافة مؤسساتها مساندًا قويًا للمملكة العربية السعودية عبر التاريخ وصولا للأزمات فى العصر الحديث ؛ فقد وقفت مصر بجانب المملكة فى حملات أرادت النيل من صورتها وحاولت تشويهها على خلفية مقتل الصحفى جمال خاشقجى، معلنة تضامنها مع المملكة فى مواجهة حملة الابتزاز الشرسة التى تتعرض لها.
وأعلنت مصر مساندتها للمملكة في جهودها ومواقفها للتعامل مع هذا الحدث، ومتابعتها بقلق تداعيات قضية اختفاء "خاشقجي"، مؤكدة على أهمية الكشف عن حقيقة ما حدث في إطار تحقيق شفاف، مع التشديد على خطورة استباق التحقيقات وتوجيه الاتهامات جزافًا.
وأكد بيان لوزارة الخارجية المصرية أن مصر تحذر من محاولة استغلال هذه القضية سياسيًا ضد المملكة العربية السعودية بناءً على اتهامات مُرسَلة.
وفي السياق ذاته، أعادت مصر التأكيد على تمسكها بدعم المملكة العربية السعودية فى موقفها وتحذر من استغلال هذه القضية بشكل سياسى نتيجة كلام مرسل.
وفي يناير من عام 2018 أعلنت وزارة الداخلية السعودية إعدام 47 ممن اعتبرتهم أعضاء في "تنظيمات إرهابية"، من بينهم رجل الدين الشيعي، نمر باقر النمر، مما أدي لردود فعل إيرانية، منها اقتحام إيرايين للسفارة السعودية بطهران، وهو ما أدي إلي قطع العلاقات السعودية الإيرانية، وكانت مصر من الدول التي دعمت موقف المملكة.
تعاون اقتصادي..
لم تتوقف العلاقة الممتدة لعقود بين مصر والسعودية عند حدود التنسيق السياسي والأمني؛ بل شملت أيضًا الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، والتعاون الثقافي والتعليمي، بما يعكس طبيعة التحالف الشامل بين أكبر دولتين عربيتين.
ويشهد التعاون على الصعيد الاقتصادى والاستثمارى زخمًا كبيرا خلال العام الحالي ، مدفوعة بجهود البلدين والرغبة المشتركة فى تعميق العلاقات الثنائية على الأصعدة كافة.
وبالنسبة للتعاون التجاري والاستثمارى فقد بلغ حجم التبادل التجاري حتى النصف الأول من العام 2024 أكثر من 11 مليار دولار، بمعدل نمو 38% مقارنة بنفس الفترة من العام 2023، وتعد المملكة الشريك التجاري الثاني لجمهورية مصر العربية على مستوى العالم، وأكد الجانبان أهمية استمرار العمل المشترك بين البلدين لتنمية حجم التبادل التجاري، وتذليل أي تحديات قد تواجه تنمية العلاقات التجارية، واستمرار عقد مجلس الأعمال المشترك، وتكثيف تبادل الزيارات الرسمية والوفود التجارية والاستثمارية.
وسبق لمجلس التنسيق المصرى السعودى، الذي أسسه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ، أن أبرم 17 اتفاقية شكلت خارطة طريق للتعاون الاقتصادي بين البلدين، في مجالات الإسكان، والبترول، والتعليم، والزراعة، والصحة، شملت اتفاقية لتطوير مستشفى قصر العيني بقيمة 120 مليون دولار، واتفاقية أخرى لتمويل إنشاء محطة كهرباء غرب القاهرة بقيمة 100 مليون دولار، إلى جانب توقيع 10 اتفاقيات تفاهم لتمويل مشروعات جديدة ضمن برنامج الملك سلمان لتنمية شبه جزيرة سيناء، من بينها تأسيس جامعة الملك سلمان الدولية، وإنشاء 13 تجمعًا زراعيًا في شبه جزيرة سيناء بقيمة 106 ملايين دولار، وغيرهما من المشروعات التنموية.