تمر، اليوم، الذكرى الـ144 على بداية الثورة العرابية، وذلك فى مظاهرة 9 سبتمبر 1881 المعروفة باسم "مظاهرة عابدين"، حيث قاد أحمد عرابى وقادة الجيش المصرى المظاهرة أمام قصر عابدين لعرض مطالب الأمة على الخديوى توفيق، كانت الثورة قد بدأت بوادرها فى فبراير 1881، حيث اعترض الضباط المصريون على معاملة الخديوى لهم وقيامه بسجنهم، مما أدى إلى انضمام الشعب إلى حركتهم لاحقًا.
بالتأكيد كان أحمد عرابى أبرز رجال الثورة ومفجرها ومحركها الأول، لكن هناك رجًلا دفع الثمن مثله مثل عرابى، وكان دوره لا يقل أهمية عنه، فكما كان عرابى على رأس الجيش يحارب ويناضل ضد الإنجليز وجاءته الخيانة من القصر الذى تولى عرشه الخديوى توفيق، كان هناك عبد الله النديم الكاتب والصحفى النابغ، وأحد فلتات عصره، ذلك الخطيب المفوه الذي خّطب وكتب المقالات دفاعًا عن الحرية والاستقلال، لكنه تعرض للخيانة أيضا مثله مثل صديقه أحمد عرابي الزعيم المغدور.
القبض على عبد الله النديم
بعد انقضاء أمر الثورة بهزيمة عرابي بفضل خيانة القصر، تم القبض عليه وعلى رجاله وكل من ساندوه، ليس عسكريًا فقط، لكن أيضا كبار الشيوخ والمثقفين الذين نادوا بالحرية، وآمنوا بوقفة عرابي وبثورة الجيش المصري ضد الإنجليز والقصر، أيضا كانوا في مرمي عمليات الاعتقال، وكان المطلوب الأول على رأس القائمة عبدالله النديم، فلم يكن أمام الرجل الذي لم يحمل يومًا سلاحًا، ولم يمتطى فرسًا، أن يهرب من فخ السجن والتعذيب والتنكيل الذي حاصره بسبب الجهل والخيانة، فتراه يرتدي زيًا صوفيًا وكأنه درويش مجذوب، وتارة أخرى يتخفى في زي مغربي أو رجلًا حجازيًا، حتى جاءته الخيانة مرة أخرى، ووشى به بعض الجهلاء، عبيد الاستبداد، وتم القبض عليه في محافظة الغربية، مثله مثل طومان باي الذي قبض عليه أيضا وتم تسليمه للسطان الغازي سليم الأول في طنطا.
لكن هذه المرة تكاتف الرأي العام، وأحدث القبض عليه ضجة كبيرة هزت الأوساط المصرية، وتحت هذا الضغط قرار البرلمان آنذاك، الإفراج عن الرجل، والاكتفاء بإبعاده عن البلاد، ونفيه إلى يافا في الشام، لكن في العام التالي رحل الخديو توفيق، وتولى بدلا منه عباس حلمي الثاني الذي قرر الإفراج عنه، وإعادته مرة أخرى إلى البلاد.
عاد النديم أسس جريدة "الأستاذ" وظل يقاوم منها الجهل والاستبداد حتى لو كان بشكل ساخر، وحين اشتد عليه غضب الإنجليز، أوعز اللورد كرومر إلى الخديوى بإبعاد النديم مرة أخرى، ليذهب هذه المرة إلى إسطنبول، وهناك أيضا واجه ظلمًا وجهلا، لكنه كان دائمًا يعيش على أمل أن يعود إلى وطنه يومًا ما، لكن الأجل حان قبل ذلك، ليشتد عليه المرض، ويموت وهو في الرابعة والخمسين من عمره فقط، مغتربًا ومهقورًا، وهناك نعاه السلطان عبد الحميد الثاني، وحزن لوفاته، وسارت أمام نعشه فرقتان من الجيش، وفرقة من الشرطة.