شهد الساحل الفلسطيني الأوسط في 7 سبتمبر 1191م واحدة من أبرز معارك الحملة الصليبية الثالثة، حيث التقى جيش السلطان الأيوبي صلاح الدين الأيوبي، وجيش الصليبيين بقيادة الملك الإنجليزي ريتشارد الأول الملقب بـ "قلب الأسد"، في معركة أرسوف.
تحرك الجيش الصليبي، الذي بلغ قوامه نحو 25 ألف جندي، على طول الساحل من عكا إلى يافا، بينما حاول صلاح الدين بجيشه المكوّن من 35 ألف مقاتل كسر صفوفهم عبر هجمات مضايقة مستمرة. وعندما عبر الصليبيون السهل شمال أرسوف، شنّ الأيوبيون هجومًا واسعًا، لكن ريتشارد حافظ على تشكيله الدفاعي حتى باغت المسلمين بهجوم مضاد قاده فرسان الإسبتارية، ليحقق الصليبيون انتصارًا استراتيجيًا مكّنهم من السيطرة على يافا وأجزاء واسعة من الساحل.
ويشير كتاب "الناصر صلاح الدين: الاتحاد قبل الجهاد" لمحمد الشافعي، إلى أن ريتشارد أظهر تناقضًا كبيرًا في السلوك؛ إذ بعد سقوط عكا قتل نحو 3,000 أسير مسلم رغم تعهداته السابقة، في مقابل سماحة صلاح الدين الذي عفا عن الأسرى الصليبيين بعد انتصاراته في حطين وغيرها. هذا التباين رسّخ صورة صلاح الدين كرمز للفروسية الإسلامية، في مقابل ما اعتُبر "غدرًا" من ريتشارد.
ورغم الانتصار الصليبي، لم تكن معركة أرسوف حاسمة؛ إذ ظلّت القدس تحت حكم المسلمين. وأدت المعركة إلى توقيع معاهدة الرملة في يونيو 1192م، التي نصّت على بقاء القدس بأيدي المسلمين، مع السماح للمسيحيين بالحج إليها، بينما اقتصرت الأراضي الصليبية على شريط ساحلي بين عكا وعسقلان.