في مطلع سبتمبر من عام 1192م، وبعد ثلاثة أعوام من المعارك الطاحنة بين المسلمين والفرنجة في إطار الحملة الصليبية الثالثة، شهدت ساحة الصراع واحدة من أكثر لحظاته حساسية صلح الرملة، الهدنة التي أوقفت النزاع بين السلطان صلاح الدين الأيوبي وملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد.
جاءت الهدنة في لحظة بدا فيها الإنهاك سيد الموقف، فالمسلمون، رغم صمودهم، عانوا من طول الحرب، وضجر الجند، ونفاد الأسلحة والمؤن، وهلاك الدواب، فيما كان ريتشارد، وقد طال غيابه عن بلاده، يفتّش عن مخرج مشرّف يتيح له العودة. ورغم أن قلب الأسد عُرف بإصراره على القتال، إلا أنه أرسل الرسل مرارًا إلى صلاح الدين عارضًا الصلح، بعد أن أدرك استحالة تحقيق اختراق عسكري يغيّر موازين القوى.
اعتراض صلاح الدين على الهدنة
لم يكن صلاح الدين راغبًا في الهدنة بادئ الأمر، إذ كان يرى فيها تنازلًا عن حلمه الكبير: تحرير الشام ومصر من الوجود الصليبي، لكن أمراءه وكبار قادته ألحوا عليه، مشيرين إلى أن استمرار القتال حتى حلول الشتاء يعني البقاء في الميدان لعامٍ آخر، وهو ما لا يحتمله العسكر المنهكون. وهنا استجاب السلطان مضطرًا، ليُعقد صلح الرملة في 20 شعبان 588هـ / 2 سبتمبر 1192م.
وفقًا لشروط الصلح، بقي بيت المقدس تحت حكم المسلمين، على أن يُسمح للحجاج والتجار المسيحيين بدخوله دون سلاح. وفي المقابل، حصل الصليبيون على شريطٍ ساحلي يمتد من يافا حتى سواحل طرابلس. أما مدينة عسقلان، التي كانت تمثل عقدة استراتيجية لوقوعها بين مصر والشام، فقد جرى هدم أسوارها لتفادي أن تصبح ورقة بيد أي طرف. واستمرت الهدنة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، تشمل البر والبحر.
ويروي المؤرخ محمد أسعد طلس في كتابه عصر الانحلال تاريخ الأمة العربية أن الحملة الصليبية الثالثة جاءت بعد أن اجتمع ثلاثة من كبار ملوك أوروبا فريدريك باربروس ملك ألمانيا، الذى غرق قبل وصوله، وفيليب أوجست ملك فرنسا، وريكاردوس قلب الأسد ملك إنجلترا. وقد اصطدموا جميعًا بجيوش المسلمين في عكا ويافا، ثم سعوا إلى الصلح بعد أن طال النزاع بلا حسم.
الصلح أسعد الكثيرين من المسلمين والفرنج
أما المؤرخ الدكتور سامي بن عبد الله المغلوث، فيشير في أطلس تاريخ الدولة العباسية إلى أن الصلح أسعد الكثيرين من المسلمين والفرنج على حد سواء لأنه وضع حدًّا للحرب، غير أن صلاح الدين نفسه لم يكن راضيًا عنه، معتبرًا أنه لا يحقق هدفه الأسمى في تحرير الأرض كاملة، وأنه قَبِله تحت ضغط الضرورة وإلحاح جنوده وأمرائه.
بعد توقيع الصلح، عاد صلاح الدين إلى القدس، فأمر بإحكام أسوارها، وشيد فيها مدرسة ورباطًا وبيمارستانًا، ووقف عليها الأوقاف، وصام شهر رمضان بالمدينة المقدسة، قبل أن يغادرها متوجهًا إلى دمشق عبر الثغور الإسلامية في نابلس وطبرية وصفد وبيروت. وكان دخوله دمشق في الخامس والعشرين من شوال يومًا مشهودًا، استقبله فيه الناس بفرحٍ عظيم بعد طول غيابه وزوال الخطر الصليبي عن بلادهم.
لكن الأقدار لم تمهله طويلًا، إذ توفي بعد الصلح بيسير، تاركًا وراءه إرثًا عسكريًا وسياسيًا هائلًا، وصورة القائد الذي عرف كيف يوازن بين الطموح والممكن. وهكذا ظل صلح الرملة علامة فارقة: هدنة أنهت حربًا دامية، لكنها لم تنه أحلام التحرير، ولا الصراع الطويل على القدس.