فى ديوانه "أيها الموت العظيم"، الصادر عن بيت الحكمة للصناعات الثقافية فى القاهرة، لا يقدم الشاعر وليد علاء الدين نصوصاً شعرية فحسب، بل يفتح بوابة مظلمة تطل على جرحٍ إنساني عميق، حيث يتحول الموت من نهاية محتومة إلى كائن حي، يتنفس ويتحاور وينازع الشاعر على المعنى والوجود، في هذا العمل، لا يسعى الشاعر إلى مجابهة الموت بل إلى مصاحبته، والإنصات إليه، وربما التماهي معه حتى الفناء، كما يقول الروائى الدكتور حسين عبد البصير.

غلاف أيها الموت العظيم
الشعر كأداة مقاومة واعتراف
ويضيف "عبد البصير" الديوان لا يندرج تحت تصنيف رثائي أو تأملي فقط، بل هو حالة شعرية وجودية تحمل في طياتها نزعة مزدوجة: الرفض والقبول، الثورة والانكسار، النشوة والانطفاء. إنه خطاب موجه إلى الموت، لكنه في جوهره خطاب موجه إلى الحياة، تلك التي تسربت من بين الأصابع، أو تلك التي لم تتحقق إلا بوصفها نقيضاً دائماً للفقد.
يوظف الشاعر في الديوان صوتاً داخلياً يتجاوز العتاب أو الرثاء أو الحزن العابر، إنه صوت الذات في أقصى حالاتها عزلة وهشاشة. يقدّم لنا نصوصاً تتكئ على لغة مشحونة بالإحساس، لكنها في الوقت نفسه تبتعد عن الغنائية المجانية، لصالح لغة مكثفة، مقتصدة، ولكنها دامية.
الديوان كعتبة فلسفية
ثمة في الديوان سؤال فلسفي لا ينفكّ يلحّ على القارئ: ما الذي يجعلنا نكتب عن الموت؟ هل هو الحنين إلى من رحلوا، أم هو قلق البقاء؟ وهل الشعر وسيلة لإثبات الحياة أم لترويض الغياب؟ يتعامل الشاعر مع الموت لا بوصفه حدثاً، بل بوصفه بنية ثابتة في نسيج الحياة، تكاد تكون أقدم من الولادة نفسها، على حد وصف الدكتور حسين عبد البصير.
في هذا السياق، يقترب الديوان من الشعر الوجودي، ذلك الذي لا يسعى إلى تقديم أجوبة بقدر ما يفتح أبواب الأسئلة على مصراعيها. الشاعر لا يبكي، بل يتأمل. لا يصرخ، بل يهمس. وهو حين يكتب، لا ينشد لنا مرثية، بل ينسج لنا مأدبة سوداء من المعاني، يضع فيها القارئ في مواجهة الذات، لا في مواجهة الآخر.
إزاحة القناع عن الموت
في معظم النصوص، لا يظهر الموت ككائن غامض أو مجرد رمز، بل يصبح شريكاً في السرد، له حضور وصوت. أحياناً هو خصم، وأحياناً صديق، وفي أحيان كثيرة هو وجه الشاعر نفسه، وقد التصق بالمرآة.
يأتي العنوان "أيها الموت العظيم" بوصفه صيحة متمردة، لكنها مشحونة بالإعجاب المبطّن. ليس مجد الموت فى هول نهايته، بل في قدرته على إعادة ترتيب الأولويات، وفي كشف خواء ما نتمسك به من أشياء. وعليه، فإن الديوان يعرّي الحياة من زيفها، ويكشف عن هشاشة المعنى حين يغيب الحبيب، أو تتهاوى الأعمدة التي ساندتنا يوماً.
جدلية الغياب والحضور
يهيمن على الديوان شعور دائم بالغياب، لكنه ليس غياباً نهائياً. هو غيابٌ يتخذ شكل حضور ملتبس. فكل فقيد هو في الحقيقة موجودٌ بعمق في نصوصنا، في أحلامنا، في خيباتنا. الشاعر لا يرثي شخصاً بعينه، بل يرثي العالم كلّه وهو يتداعى بصمت.
هذه الجدلية بين الغياب والحضور تمنح الديوان قوة استثنائية، وتجعله أكثر من مجرد سجل للحزن، ليصبح شهادةً عن الزمن المعطوب، عن الأرواح التي لم تكتمل، وعن الكلمات التي لم تُقال في الوقت المناسب.
القصيدة ككائن يتنفس
ما يميز هذا العمل أن القصيدة فيه ليست قالباً بل كائناً. كل نص ينبض، يتنفس، يتألم، ويشيخ، هناك وعي شعري شديد بضرورة أن تكون القصيدة حيّة، لا كصدى للمأساة فقط، بل كجزء منها. ولعل هذا ما يجعل القارئ لا يكتفي بالتلقي، بل يدخل في علاقة مباشرة مع النص، كأنه يستعيد حزنه الخاص، أو يرى في كلمات الشاعر مرآة لخرابه الداخلي.
ديوان "أيها الموت العظيم" ليس بكائية، وليس فلسفة باردة. إنه كتابة من الجرح لا عنه، ومن الداخل لا من الخارج. إننا أمام تجربة شعرية ناضجة، جريئة، ومتشظية، تضع الشعر في قلب المعركة الأبدية بين الإنسان وفقده، وتعيد الاعتبار للكلمة بوصفها سلاحًا وملاذًا في آنٍ واحد.
في زمن تفرّقت فيه المعاني، وتشظّى فيه الشعر بين التجريب والاستهلاك، يقدّم لنا وليد علاء الدين هذا الديوان كأنشودة عزاء نبيلة، تُقرأ لا لكي نبكي، بل لكي نعيد تعريف الحياة عبر مرآة الموت.