قال الدكتور بدرى رجب رئيس قسم بحوث القمح بمركز البحوث الزراعية أن القمح من اكثر المحاصيل الغذائية أهمية فى العالم، حيث ينتج القمح او ما يعرف بالحنطة حبوبا مركبة على شكل سنابل كما تعتبر هذه الحبوب غذاء رئيسى لجميع سكان كوكب الأرض، وهو نبات برى ظهرت المعالم الأولى لزراعتة قبل 9000 سنة "ق.م"
أضاف بدرى أن القمح يشكل أساس نشأة الحضارات القديمة مثل الحضارة المصرية "الفرعونية" وحضارة بلاد الرافدين و حضارة بابل أراضي ما بين النهرين، كان المصريون القدماء يقدمون ثمار محصولهم للمعبودات التي قدسوها، فقد عثر في مقبرة الملك مينا في وادي الملوك الذي يعود للقرن الخامس عشر )ق.م) على زخارف منها شكل لفلاح يقدم بواكير محصوله على شكل دمية من سنابل القمح، وقد انتقل ذلك إلى الديانة المسيحية أيضاً التي اعتبرت القمح يمثل الخير والمحبة والرخاء لذلك استخدمه الفنانون في الموضوعات الزخرفية، وقد اعتبر الرومان القمح بمثابة زهور المعبودة هيرا و على وجه الخصوص للمعبودة ديميز ربة الأرض الخصبة والنماء، وارتبط تقديس القمح عندهم بإقامة الطقوس الزراعية في المعابد، واعتبر الرومان السنبلة الإلهية من أفضل الغذاء للإنسان، وقد قدم العرب قبل الإسلام القمح بالإضافة إلى الشعير والحنطة قرابين للمعبودات التي قدسوها ومنها الصنم ذو الخلصة الذي كان عبارة عن صخرة على شكل التاج بين مكة واليمن وكان يعبد من قبل عدد من القبائل منها خثعم وبجيلة وأزد السراة وهوازن باعتباره غذاء وقرابين للآلهة، الأمر الذي يدل على عالمية قدسية القمح عند كل الأمم القديمة واستمرار تقديسه حتى وقتنا الحالي.
أوضح بدوى أن معظم الدراسات تشير إلى أن الموطن الأصلي للقمح المنزرع اليوم هو الشرقين الأوسط والأدنى، اعتماد على ان القمح ثنائى الحبة يشبه الأنواع المنتشرة بريا حتى اليوم، ويشير إلى أن أغلب النباتات المنزرعة لها أصول بريا.
وأكد أن قمح الخبز اللين والطرى قد نشأ فى وسط أسيا والشرق الأدنى، أما القمح القاسى فقد نشأ فى الحبشة، و أن زراعة القمح ترجع الى العصر الحجرى من 7000 سنه (ق.م)، فى حين تقول بعض الآراء أن زراعة القمح ظهرت لأول مرة فى أراضى الخليل فى نهاية العصر الجليدى قبل 1900 سنة (ق.م)، ثم انتقلت إلى العصر الحجرى، وتشمل قصة سيدنا يوسف في عصر الهكسوس حوالي 1977 سنة "ق.م" على ما قام به في الأشراف على القمح في سنوات القحط حيث أجرى آنذاك أول تخزين للقمح في التاريخ، و أول تأسيس لحفظ القمح وتخزينه فى الصوامع.
وأضاف أن الشرق الأوسط هو مركز الآباء الأول للقمح ثم انتشر إلى الحوض الغربي للبحر المتوسط وجنوب الاتحاد السوفيتي والشرق الأدنى، كما أن الحضارة الرومانية ساهمت بشكل كبير في انتشار القمح فى منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية.
وأكد أن المعالم الأولى لزراعة القمح ظهرت في منطقة الهلال الخصيب حوالي9000 سنة (ق.م).
مناطق الانتشار الجغرافى، تمتد زراعة القمح في العالم بين خطى عرض 60-30 شمال و 40-27جنوباً، وأيضاً يزرع القمح بالقرب من خط الاستواء في المناطق المرتفعة و فى الفصول الباردة شتاءً، ومن أهم مناطق زراعة القمح عالمياً هي سهول أمريكا الشمالية، وشمال غرب أوربا، ومنطقة حوض البحر المتوسط وجنوب روسيا وشمال غرب الهند وشرق ووسط الصين والأرجنتين وجنوب شرق أستراليا، أما على مستوى دول الوطن العربى فتعتبر مصر و المغرب و سوريا والجزائر والعراق من أهم الدول انتاجاً للقمح.
كما أشار إلى أن الشعير يعتبر من أوائل الحبوب المزروعة في الهلال الخصيب ، حيث تم تهجينه من حوالي 8000 سنة قبل الميلاد من سلفه البري وتشير الأدلة الأثرية إلى أن زراعة الشعير تعود إلى 5000 قبل الميلاد في مصر، و 2350 قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين و 3000 قبل الميلاد في شمال غرب أوروبا و 1500 قبل الميلاد في الصين، وقد كان الشعير هو مصنع الخبز الرئيسي لليهود واليونانيين والرومان ومعظم بلدان أوروبا خلال القرن السادس عشر، تشير الدراسات الجينية إلى أن النباتات الموجودة فى هضبة التبت كانت مركزاً أيضاً لتهجين الشعير المنزرع حالياً.
وأوضح أن الشعیر يعتبر من أقدم المحاصیل التي استأنسھا الإنسان وزرعھا قبل المیلاد والموطن الأصلي للشعیر ھو قارة آسیا، الشعیر محصول عشبي نجیلى حولي شتوى، والشعیر یشبه في شكله العام إلى حد كبیر نباتى القمح والشوفان قبل أن تظھر النورات، وأن الجد البرى للشعیر المنزرع ھو تحت نوع الشعير البري وتنتشر زراعة الشعیر في غالبیة دول العالم، ویعود ذلك إلى استعمالاته العدیدة، وإلى تعدد أصنافه القادرة على تحمل الظروف البیئیة المختلفة بما في ذلك القطب الشمالى والمناطق القریبة من خط الاستواء، حیث ینمو المحصول في معظم المناطق المعتدلة المناخ أو المناطق الصحراویة وتحت الاستوائیة، الإنتاج العالي یتركز في القارة الأوروبیة، تلیھا قارة آسیا عالمیا وذلك من حیث المساحة المزروعة والإنتاج، اھم الدول المنتجة للشعیر، روسیا - كندا - اسبانیا- المانیا - فرنسا - تركیا - أوكرانیا – أسترالیا الولایات المتحدة الأمریكیة، یعتبر الشعیر من المحاصیل عالیة التحمل للملوحة والقلویة بینما یعتبر من المحاصیل الحساسة للحموضة كما وانه من أكثر المحاصیل تحمل للبرودة إذ یزرع حتى خط عرض 71 درجة.
الأصداء:
أشارت الحفريات القديمة (1300 سنة قبل الميلاد) إلى كلمة أصداء القمح وضررها على المحصول، عبد الرومان القدماء إله الصدأ "روبيجوس" (43 سنة قبل الميلاد) وكانوا يقدمون له القرابين لحماية محاصيلهم، كان مهرجانا في الديانة الرومانية القديمة أقيم في 25 أبريل، سمى على اسم الإله (روبيجوس). كانت طقوسه الرئيسية هي التضحية بالخراف والكلاب ذات الفراء الحمراء لحماية حقول الحبوب من الأمراض وخاصة التراب الأحمر، أقيمت ألعاب على شكل سباقات كبرى وثانوية، وكانت واحدة من العديد من المهرجانات الزراعية في أبريل للاحتفال وإضفاء الحيوية على موسم النمو، أعطى الكاتب الزراعي كولوميلا الاسم في المؤنث باسم Robigo، مثل الكلمة المستخدمة لشكل من أشكال مرض صدأ القمح، الذي له لون ضارب إلى الحمرة أو بني محمر، تم العثور على كل من Robigus و Robigo أيضًا باسم Rubig والذي وفقا لأصل الكلمة من خلال ارتباطها بالعصور القديمة، كان يعتقد أنها مرتبطه باللون الأحمر (Ruber) كشكل من أشكال مرض التراب الأحمر.
و ظل القمح والشعير والصدأ فى تنافس وتطورا معًا لعدة قرون، ولوحظت سلالات وتنوعات وتجمعات أشد ضراوة من مسببات أمراض الأصداء حول مراكز المنشأ أو في المناطق التي تُجرى فيها برامج تربية القمح والشعير و ذات تنوع فى جينات المقاومة التى تحملها النباتات وهى مناطق أكثر حيوية وديناميكية للأصداء على الرغم من ذلك لا يرتبط تطور مسببات أمراض الأصداء بالقمح والشعير فقط.
يُعد صداء أوراق القمح ( Puccinia triticina )، وصداء الساق فى القمح والشعير (P. graminis f. sp. tritici )، والصداء الأصفر ( P. striiformis f. sp. tritici ) من أمراض القمح ذات الأهمية العالمية، وتُعزى الخسائر الوبائية الناجمة عن صدأ القمح إلى التفاعل بين العوائل الحساسة والسلالات المرضية الشرسة لمسببات الأصداء والبيئة المُلائمة والمدة الزمنية، يُعدّ توافق ضراوة مسببات الصدأ وصنف القمح المُعرّض للإصابة ومرحلة نمو المحصول والبيئة المُلائمة من العوامل الرئيسية المُسببة للأوبئة، وتُعدّ مرحلة محصول القمح التي تحدث فيها العدوى بالغة الأهمية حيث تُؤدي الإصابات المُبكرة إلى خسائر أكبر من الإصابات المُتأخرة، كما تُعدّ مرحلة نمو محصول القمح مهمةً أيضًا لأن مقاومة النبات البالغ تُحفّز بعد تكوّن الورقة الثالثة وبالتالي، فإنّ الصنف المُعرّض للإصابة في المراحل الأولى قد يُصبح مُقاومًا لاحقًا وهذا أحد أسباب ندرة أوبئة صدأ القمح حيث أن العديد من جينات مقاومة النبات البالغ غير المعروفة قد منحت مقاومةً حقليةً للنباتات.
وأشار إلى أن صدأ القمح ظل تحت السيطرة لفترة طويلة، وكان يُعتقد على نطاق واسع أنه قد تمت السيطرة عليه. ومع ذلك، فإن ظهور حالات ضراوة Yr9 في سوريا وإيران في أعوام 1990 و1992 و1993، والتي تسببت في أوبئة شديدة من صدأ القمح الأصفر في غرب آسيا، قد دق ناقوس الخطر، و تسبب ظهور الطفرات المعروفة باسم Ug99 في أوغندا خلال عام 1998 (Pretorius et al. 2000) في قلق دولي وقد أدى ذلك إلى إبطال فعالية الجين Sr31 بعد استخدامه لحوالي أربعة عقود. نتيجةً لذلك، أصبح حوالي 40% من محصول القمح العالمي مهددًا بوباء صدأ الساق، وخلال العقد الماضي تم تحديد 13 نمطًا مرضيًا من سلالة Ug99 من 13 دولة (CIMMYT، 2019).
وأكد أن هناك سباقٌ مستمرٌّ على التفوق بين مُربي القمح ومُسببات أمراض الصدأ، يُطوّر المُربّون أصنافًا جديدة من القمح بينما تُطوّر مُسببات أمراض الصدأ أنماطًا او سلالات مرضية جديدة أشد ضراوة من المسبب المرضى الأصلى تجعل الأصناف المقاومة عُرضةً للإصابة، تتطور السلالات الجديدة إما من خلال التكاثر الجنسي (في المناطق أو البلدان التي تكون فيها العوائل البديلة موجودة) والتهجين الجسدي أو الطفرات (حيث تكون العوائل البديلة غير موجودة). وتُعد الطفرة طريقةً شائعةً جدًا لتطور الأنماط المرضية الجديدة، خاصةً عندما تكون العوائل البديلة غير موجودة.
و تتميز الفطريات المسببة لأمراض الصدأ فى القمح والشعير بطول دورة الحياة وحاجاتها إلى نوعين من العوائل النباتية لإكمال دورة الحياة، يتكون عليها خمسة أنواع من الجراثيم (البازيدية – البكنية – الأسيدية – اليوريدية – التيليتيه)، وتعتبر الجراثيم اليوريدية من أهم أنواع الجراثيم تأثيرا على القمح والشعير ويسمى بالطور المتكرر، بمعنى أنه يتكرر كل 12–15 يوم حيث يظهر جيل جديد من الجراثيم اليوريدية يمكنها إصابة نباتات القمح والشعير، بجانب وجود العائل المتبادل الذى يكمل عليه فطر الصدأ دورة الحياة، تستطيع فطريات الصدأ أيضا أن تصيب بعض الحشائش النجيلية (عوائل ثانوية)، لا يوجد فى مصر العائل المتبادل (الذى يكمل عليه فطر الصدأ دورة الحياة) ولا تسمح الظروف المناخية فى مصر بتواجد جراثيم الأصداء (الجراثيم اليوريدية) أثناء فترة الصيف لإرتفاع درجة الحرارة، تصل جراثيم الصدأ اليوريدية والأسيدية سنويا إلى مصر محمولة بواسطة الرياح من الدول المجاورة، سواء دول البحر المتوسط أو جنوب غرب آسيا التى تتواجد بها العوائل المتبادلة الأصداء تعتبر من العقبات الرئيسية التى تم تصنيفها على أنها مسببات الأمراض التاريخية، القادرة على ان تتسبب في خسائر فادحة لمحصولى القمح والشعير في جميع أنحاء العالم وهي أمراض ذات أهمية عالمية.