في شهادة نادرة تكشف خفايا التنظيم من الداخل، يروي إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والقيادي المنشق عن جماعة الإخوان الإرهابية، تفاصيل رحلته الطويلة داخل التنظيم التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، منذ انضمامه في أواخر السبعينيات وحتى قراره النهائي بالانفصال، موثقا التحولات الفكرية والأخلاقية التي قادته إلى مراجعة شاملة لمشروع الجماعة الذي وصفه بأنه يقوم على "الانتهازية السياسية واستغلال التدين الفطري لدى الناس لتجنيدهم في مشروع سلطوي" .
البدايات.. بحث عن المدينة الفاضلة
بدأت الحكاية في عام 1979، حين كان ربيع في السابعة عشرة من عمره، وهو عمر الحماس والبحث عن الذات والإجابات الفكرية والروحية . يقول ربيع إنه التحق بالتنظيم تحت رئاسة الدكتور سناء أبو زيد، وكان المعلن حينها هو الدعوة إلى الله ونشر الفضيلة والعمل من أجل إقامة دولة تكون نواة للخلافة .
ويصف ربيع مشاعره في تلك الفترة قائلا: "كنت أبحث عن المدينة الفاضلة التي قدمها التنظيم لنا تحت عناوين الدين والطهر والنقاء والإصلاح"، لكنه اكتشف لاحقا أن الدين كان مجرد وسيلة يستخدمها التنظيم لتحقيق أهداف سياسية والوصول إلى السلطة .
آليات الاستقطاب.. استثمار التدين الفطري
يكشف ربيع عن الآليات التي اعتمدتها الجماعة في مراحل التجنيد الأولى، موضحا أن التنظيم ركز بشكل أساسي على استقطاب طلاب الجامعات باعتبارهم الفئة الأكثر قابلية للتأثير والانتشار، إلى جانب تعزيز وجوده داخل الطبقة الوسطى باعتبارها الحاضنة الأهم لأي مشروع سياسي ممتد .
ويؤكد ربيع أن الجماعة اعتمدت على استثمار التدين الفطري لدى قطاعات من المجتمع، حيث كان الخطاب الدعوي مدخلا لاكتساب الثقة وتوسيع قاعدة التنظيم، بينما تراجع الاهتمام ببناء وعي فكري أو فلسفي لدى الأعضاء . ويضيف أن الجماعة رفعت شعارات ذات طابع ديني، من بينها الحديث عن مشروع الخلافة، باعتبارها إطارا فكريا يمنح المشروع السياسي شرعية لدى المؤيدين .
ملامح التحول.. الشكوك تبدأ في التراكم
مع مرور الوقت، بدأ ربيع يلاحظ تزايد القيود على حرية التفكير والتعبير، مقابل توسع آليات الضبط الداخلي عبر فرض محظورات متزايدة وإنتاج بيئة نفسية تقوم على الشعور المستمر بالذنب والرقابة الذاتية .
ويشير ربيع إلى أن هذه التحولات كانت نتيجة لمسار طويل من الشكوك والمراجعات الفكرية والأخلاقية التي بدأت منذ أوائل الألفية الجديدة، حين بدأ يتساءل عن علاقة الدين بالعنف، وعن مدى صدق الجماعة في تمثيل الإسلام الوسطي. لكنه يؤكد أن الردود التي تلقاها كانت دائمًا اتهامات بالضعف الديني أو الميوعة الفكرية، ما عمق لديه الشعور بالاغتراب داخل الصف التنظيمي .
يكشف ربيع أن التنظيم يضع ثلاثة محرمات على أعضائه، يقول: "محرم عليك الضمير، محرم عليك التفكير، ومحرم عليك التعبير" . هذه المحظورات، تجعل الانتهازية والتضليل هما النتيجة الحتمية لهذا الكيان .
التناقض بين الخطاب والممارسة
يرصد ربيع فارقا كبيرا بين الخطاب الذي تقدمه الجماعة للرأي العام وآليات عملها الداخلية، موضحا أن النشاط الذي كان يُطرح باعتباره عملا دعويا اتخذ طابعا تنظيميا يعتمد على التجنيد والولاء الداخلي أكثر من اعتماده على العمل الفكري أو الثقافي .
ويؤكد ربيع أن البناء الأخلاقي داخل التنظيم يقوم على تغليب مصلحة التنظيم على أي اعتبارات أخرى، مشيرا إلى أن القيادة كانت تقدم تبريرات لممارسات يراها متعارضة مع القيم الأخلاقية إذا اعتبرت أنها تحقق أهداف التنظيم. ويقول: "البناء الأخلاقي داخل التنظيم قائم على الانتهازية والاستغلال، ولذلك تجد تبريرات جاهزة لكل الممارسات المرفوضة أخلاقيا"، موضحًا؛ أن هذا المبدأ انعكس في التعامل مع الخصوم والمخالفين، من خلال تبرير ممارسات مثل نشر الشائعات أو تشويه المخالفين أو نقض العهود، باعتبارها وسائل تخدم مصلحة التنظيم .
محاولة الإصلاح.. صدام مع قيادات التنظيم
ويكشف ربيع عن محاولته لإصلاح الجماعة من الداخل، حين شعر بأن أمرا ما يجب تعديله في الإخوان لتتحول من جماعة دعوية إلى جماعة لها أن تحكم الدولة. قدم مشروعه لإعادة هيكلة الجماعة وتحويلها لكيان شرعي تعترف به الدولة، متضمنا تدويل السلطة في الجماعة وتأسيس بنك أفكار ومشاركة المواطنين في وضع مقترحات لمستقبل التنظيم .
لكن الفكرة لم تلق القبول، فعندما عرضها على القيادات تباعا رشاد البيومي، عصام العريان، عبد المنعم أبو الفتوح، حلمي الجزار، وصولا إلى خيرت الشاطر قوبلت بالرفض . يتذكر ربيع جملة قالها له حلمي الجزار: "يا أخ ربيع أنت عندك أفكار أفلاطونية طفولية رجاء تحتفظ بها لنفسك، إحنا بنجهز نفسنا من 80 سنة لهذه اللحظة، ومش هنفرط فيها علشان المهلبية اللي بتقولها دي" .
الثورة كاشفة.. الوجه الحقيقي للتنظيم
ويروي ربيع كيف جعلته ثورة يناير يرى الوجه الحقيقي للجماعة، حين وجد نفسه في ميدان التحرير ومحيطه كله إخوان، وفطن إلى أن الثورة ألقت بالدولة في حجر التنظيم، حيث جلس رفاقه الذين غادروا السجون قبل قليل مع قيادات الدولة .
ويؤكد ربيع أن ثورة 30 يونيو كانت "الزلزال الذي فجر التنظيم من الداخل وجعله يتشظى"، مبديا رأيه أن فض اعتصامي رابعة والنهضة كان خطوة لاستعادة الدولة ومنع البلاد من الانزلاق إلى مصير أكثر خطورة .
بعد الانشقاق.. عودة إلى الجوهر
يختم ربيع شهادته بالتأكيد على أن خروجه من الجماعة لم يكن تخليا عن الإسلام بل عودة إلى جوهره الحقيقي البعيد عن الصراعات والهيمنة . ويقول إنا "الغيت الإخوان لأعود إلى ديني، إلى وطني، إلى ذاتي" .