حازم حسين

إسقاط الأيديولوجيا عن إسقاط مركاتور

الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 02:00 م


ترزح الإنسانية تحت وطأة ماضيها الطويل، وتستظل بإرثها العريض منه. لا السلبى يجبُّ الإيجابى وينفيه، أو العكس، ولا تصح قراءة الحاضرة بمعزل عن مقدماته.

وفى كلّ الأحوال، لا تخلو مقاربة من عاطفةٍ ظاهرة، وأيديولوجيا مُضمَرة، بعِلمِ صاحبها أو بانحيازٍ مجهول، وغير مقصود غالبا.
اعتمدت الأُمم المتحدة مؤخّرًا، وبأغلبية تُلامس الإجماع، قرارًا باعتماد صيغةٍ جديدة للخرائط، بديلاً عن إسقاط مركاتور الشهير.
البديل اسمه الأرض المتساوية/ Equal Earth.. يراعى التناسُب، ويُوظّف لغايات تعليمية وثقافية.

أكدت الجمعيّةُ فى قرارها؛ أن تشوّهات الأحجام لها آثار معرفية واجتماعية واقتصادية، وتستبقى رواسب من التحيُّز التاريخى، والتصحيح يُعزّز الاعتراف والعدالة والتنمية.

المشروع قدّمته توجو، دولة استوائية صغيرة غربىّ أفريقيا، وعُرِفَت طويلاً باسم «ساحل الرقيق». تنقّلت من يدٍ لأخرى، بدءا بالاحتلال الألمانى، وإلى الاستقلال عن فرنسا.

جيراردوس مركاتور جغرافى فلمنكى/ بلجيكا حاليًا، يتلخّص أسلوبه فى تحويل الأرض الكروية لمُسطّحٍ أُفقىّ عبر وسيطٍ أسطوانى.
كانت طريقةً ثوريّة وقتها، ولأغراضٍ ملاحية. غير أنّ الاستعمار لم يهبط من السماء طبعًا؛ إنما حملته السُفن!

وليس القصدُ أن الرجل كان يُعبِّد المسالك للغُزاة قصدًا، ولا أنه خلع عباءة العلم واعتمر قبّعة السياسة؛ ولكن أنهما صنوان دومًا، قد يتمايزان شكلاً، ولا يفترقان حضورًا وأثرًا!

مُنِحَ العالم مُخطّطًا دقيقًا للسفر، وظالما وشديد التشويه للحقائق. يقود المسافر على خطٍّ مستقيم بين نقطتين؛ ولا يُترجم محطتى الانطلاق والوصول بدقةٍ كاملة.
السبب فى كروية الأرض، وطريقة الإسقاط. والأثرُ المباشر؛ أنَّ المناطق الاستوائية تتضاءل حجمًا على الورق، والأبعد عن محور العرض تبدو أضخم كثيرًا من حقيقتها.

يلوح التشوّه على استحياء عندما تنظر القارة السمراء لأعلى الشرق؛ فتجد روسيا تُضارعها فى المساحة، بينما تزيد قليلاً على نصفها.
ويتضاعف الإرباك على الجانب المقابل، وتبدو فيه جرينلاند فى حجمٍ يوازى أفريقيا تقريبًا؛ على أن الأخيرة تناهز أربعة عشر ضعفها فعليًّا.

نعود لتوجو، مُقدّمة مشروع القرار. بلد لا يزيد على 57 ألف كيلو متر مربع، تعداد سكانه نحو عشرة ملايين، وناتجه اثنا عشر مليار دولار تقريبًا.
نصيب الفرد يزيد قليلاً على ألف دولار؛ ولكنّ المُلفت والأهم أنها بمساحتها الحالية لا تزيد على رأس دبوس، أو نقطة بسنّ القلم فوق الخارطة؛ ولعلّها تبحث عن مكان خارج مظلّة مركاتور، وتحت شمس العدالة الجغرافية.

رفضت الولايات المُتّحدة مُتّهمة الطرح بأنه أيديولوجى سياسى وغير مُلِحّ. واعترضت ستّ دول أخرى من شرق أوروبا والبلطيق؛ لأن حجمها سيقل فى النسخة الجديدة، وربما تخيّلت أن الضآلة الافتراضية قد تُغرى روسيا بها.

وقد عبّرت أوكرانيا عن ذلك صراحة؛ بخشيتها من الالتباس البصرى بشأن الحدود والأراضى المُحتلّة راهنًا.
انتُقد إدوارد سعيد على نقد «الاستشراق»، فى كتابه الشهير بالعنوان نفسه، ولست من مُحبّيه بالمناسبة ولا داعمى أفكاره؛ إنما لم يكن فى أطروحته غير ظلٍّ لسابقين، أو مرآة مستوية تعكس وجوه الآخرين؛ فإن بدت ندبة فمن الأصل لا الصورة!

الجغرافيا تاريخ ساكن، كما قال جمال حمدان. وما رُسِم لأهداف علمية ووظيفيّة؛ إنما استقرّ بالسياسة والمركزية الغربية، ولو تعامَينا عن التسييس المُتدفق من المنبع، واستُلبنا بإرادتنا لصالح السردية المُورَّثة.

لا عمل فى العام أو الخاص يخلو من أيديولوجيا؛ حتى الخطابات التى تزعم أنها غير أيديولوجية بالمرّة.
مُفارقة تُشبه التعالُق بين المُتطرّفين من بيئتين مُختلفتين: الأُصولية والعلمانية/ اليمين واليسار/ الشرق والغرب.
غير أن المُتورّطين فى الانحياز قد لا يلحظون أحيانًا، كما أن الملحدين مثلاً يجهلون أنه لا أحد يقفز فى الفراغ؛ فحتى الإلحاد عقيدة!
الجذور بعيدة للغاية، ربما من قبل الحروب الصليبية على سبيل الاستشهاد. من صراعات روما مع بيزنطة، وغزوات الإسكندر، وإلى الكولونيالية الحديثة مع الحملة الفرنسية وما بعدها.

ما كان نابليون يختلف كثيرًا عن الشاعر الإنجليزى روديارد كبلنج عندما قال عبارته الذائعة: «الشرق شرق، والغرب غرب؛ ولن يلتقيا».
ثمّ قفّى عليها بالتنظير لعبء الرجل الأبيض، إذ يعبر بعربة الحداثة على أبدان الهمج، ويُجرّعهم دواء التمدُّن بالسَّوط والبندقية.
كثيرًا ما ارتُكبت جرائم باسم العِلم، وأخرى تحت لافتة الحاجة والمصالح المُشتركة. القنبلة الذرية كانت فتحًا فيزيائيا، واستخدامها للمرّة الأولى والأخيرة طُرِحَ على أنه إنقاذ للبشرية وتصفية للحرب العالمية.

عُصبة الأمم كانت محاولة غربية لتقاسم المنافع؛ فتفجّرت سريعًا لأن الجميع تهرّبوا من قسمة الإعباء.
وتبعتها الأُمم المُتّحدة بصيغة مُغايرة ومنطقٍ مُطابق؛ لا هَمّ له إلا أن تبقى الدول من طبقتين اثنتين؛ ثم يسهر الخلق جرّاها ويختصمون، ويُوزّعون كلّ فئة منها على أطيافٍ شتّى.

وأوضح مِثال فى المحكمة الجنائية الدولية، وقد بدت مأسَسة نظامية دائمة لمُحاكمات نورمبرج؛ ثم تكشّف لاحقًا أنها ظاهر بلا مضمون، أو أداة مُخصّصة لخدمة تيّار ضد آخر.

وقد مُنِعَت من المساس بالصهاينة رغم جرائمهم، وقيل صراحة من مسؤولين بالولايات المُتّحدة، ما يقطع بأنها إنما جُعِلَت للبلدان المُتخلّفة، وليس للأباطرة وحُلفائهم المُقرّبين.
وُرِّثنا فى الأدبيات السياسية الحديثة تحت عنوان فضفاض، ما فتئ يتبدّل وتتحوّر معانيه.
ومنذ استخدم أدميرال البحرية الأمريكية ألفريد ماهان تعبير «الشرق الأوسط» فى العام 1902، بدا كدالٍ مُتجمّد على مدلول سائل وتتعذّر الإحاطة به!
قُسِّمَ الشرق إلى أدنى وأقصى وما بينهما، وعُدِّلت حدوده قبل الحرب العالمية، وبعدها، وما يزال يُستخدَم بمعانٍ عِدّة؛ حتى كاد أن يكون مُصطلحًا سياسيًّا واقتصاديا مثل «الجنوب العالمى».

العرب جميعًا ومعهم تُركيا والبلقان والصين والهند وجنوب شرق آسيا وصولا إلى روسيا مع الشرق، والغرب محصور فى أمريكا الشمالية وأوروبا.
أمّا أوراسيا فبحسب الأحوال؛ عُدَّت قديمًا على الشيوعية واستُقطِبَت حديثًا حينما صارت خنجرا فى خاصرة الدب الروسى، ومساحة للاستتباع والتوظيف.
شرق يمتد على أربع قارات تقريبًا، وغرب فى قارة ونصف فقط. والكُرة الأرضية لا يُمكن أن تضعنا مع الشام والجزيرة العربية فى كفة، فيما المقابل لنا على جانب المتوسط الآخر فى الكفة المُضادّة.

لو اتّبعنا اتجاه الكوكب فلن تكون أوروبا بكاملها مع الولايات المُتّحدة.
الطريقة الوحيدة أن يُرسم محور التقسيم مائلاً، من أقصى الشمال الشرقى إلى أقصى الجنوب الغربى؛ فيستبعد روسيا والصين والهند، وكلها فى النصف الشمالى.
ليواجه أزمة عملية مع استلحاق أستراليا، المحسوبة جغرافيا على الجنوب!

تذكرت شطرًا من قصيدة أحمد شوقى الشهيرة عن الشام، ومطلعها «سلام من صدى بردى أرَقُّ...».
وأقصد عَجُز البيت القائل: «نصَحتُ ونحنُ مُختلفون دارًا/ ولكن كُلّنا فى الهمّ شرقُ».. وتعبير ماهان وسياسات الغرب ليسا إلا من قَبيل قسمة الهمّ، أو طمع الصياد فى الفريسة!

اعتُمد القرار، وليس مُلزمًا على كل حال، ولا يلغى مركاتور ومسقطه. على أن الغاضبين يعتبرون الخطوة تجاوزًا للعلم والوظيفية، وينتقدون فيها التسييس؛ كأنه كان غائبا عن سواها أصلاً!

عَمليًّا؛ ستظل النُسخ القديمة مُتاحة للملاحة وغيرها. ويُمكن تضمينها بشكل مزدوج فى الإسقاط الجديد، أو مزج الوظيفة مع الدقة فى نسخة واحدة؛ فضلا على أن الملاحة لها أدوات رقمية مُستحدثة، تستعين بالأقمار الاصطناعية وتتحدّد بالإحداثيات لا الخطوط المستقيمة وطُرق السفر القديمة.

والخلاصة؛ أنها خطوة رمزية، لا يُمكن إنكار أهميتها على كل المستويات، وأوّلها الدقة والعلم والعدالة وتصويب أخطاء الماضى.
وإذا كان التسييس حاضرًا فى كل الأحوال، فعلى الأقل اعتماد الصائب أفضل من استبقاء الخاطئ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة