قياتى عاشور

وهم رائد الأعمال.. لماذا نكره الوظيفة العادية؟

الإثنين، 07 سبتمبر 2026 08:40 م


في خضم التحولات الثقافية المتسارعة التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي على عقول الأجيال الجديدة، برزت ظاهرة سوسيولوجية ونفسية شديدة التعقيد ترتبط بمفهوم الشباب عن العمل والنجاح وتأسيس مسارهم المهني. لقد تسللت إلينا بقوة ثقافة مستوردة تروج لما يمكن تسميته بـ "فخ الشغف المسموم"، حيث تُصدّر الشاشات وخوارزميات الإنترنت يومياً صورة النجم الشاب أو "رائد الأعمال" الذي يحقق الملايين بضغطة زر، وهو يجلس في مقهى فاخر يدير مشاريعه الخاصة بعيداً عن قيود الوظيفة التقليدية. هذه الصورة النمطية البراقة، رغم ندرتها الشديدة في الواقع الفعلي، خلقت حالة من التشوه المعرفي لدى قطاع واسع من الشباب، وجعلتهم ينظرون إلى الوظيفة العادية، والبدايات المهنية البسيطة، على أنها نوع من الفشل، أو مجرد استعباد روتيني يقيد حريتهم ويقمع إبداعهم المزعوم.


ومن منظور علم الاجتماع، تكمن الخطورة الحقيقية لهذا الوهم في أنه يغتال قيمة "العمل الجاد" والتراكم المعرفي الذي قامت عليه المجتمعات عبر التاريخ. لقد أصبحنا أمام جيل يرفض الوظائف المتاحة في السوق، ليس لعدم كفاءته أو لغياب الفرص، بل لاعتقاده الراسخ بأن العمل كمندوب مبيعات، أو محاسب مبتدئ، أو موظف إداري، هو إهانة لطموحه العريض وتقليل من شأنه. هذه الحالة تخلق نوعاً من "البطالة المقنعة طواعية"، حيث يفضل الشاب الجلوس في منزله لسنوات، يستهلك طاقة أسرته مادياً ونفسياً، منتظراً تلك الفرصة الذهبية التي تتطابق تماماً مع شغفه. يحدث هذا في الوقت الذي يواصل فيه الآباء والأمهات الكدح اليومي لتوفير متطلبات الحياة، مما يولد فجوة جيلية واحتقاناً صامتاً داخل الأسرة الواحدة، حيث يصطدم واقع الآباء المليء بالمسؤوليات بخيال الأبناء المليء بالأحلام الوردية غير القابلة للتنفيذ.
إن هذا الابتزاز النفسي الذي تمارسه السوشيال ميديا، تحت شعار "اعمل ما تحب فقط"، قد خلق أجيالاً تعاني من الهشاشة والإحباط السريع بمجرد الاصطدام بأول عقبة على أرض الواقع. فالحياة المهنية الحقيقية ليست سلسلة متصلة من المتعة والشغف اللحظي، بل هي في جوهرها مزيج من الالتزام، وتحمل الضغوط، وإنجاز مهام قد تبدو في ظاهرها مملة وروتينية. لكن هذه المهام الروتينية وتلك التحديات اليومية هي تحديداً ما يبني عضلات الشخصية، ويصقل المهارات، ويؤسس للخبرة العملية التي لا يمكن تعلمها من مقاطع الفيديو القصيرة أو دورات التنمية البشرية الاستهلاكية. لقد نسي هؤلاء الشباب أن الشغف المهني لا يهبط من السماء كالوحي الجاهز، بل هو نتيجة طبيعية لإتقان العمل، وتجاوز لحظات الملل، والشعور بالإنجاز المتراكم عبر الزمن.
نحن اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في أمس الحاجة إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي والمهني مع شبابنا، وحمايتهم من هذا الوهم الرقمي المدمر. يجب أن نرسخ في أذهانهم بوضوح أن "الشغف" الحقيقي لا يسبق العمل، بل يولد من رحمه، وأنه يتشكل بالتجربة والخطأ والالتزام اليومي الصارم. إن رد الاعتبار لقيمة الموظف المكافح، والتأكيد على أن البدايات البسيطة المتواضعة هي الأساس المتين والوحيد لأي نجاح مستدام، لم يعد مجرد نصيحة تربوية عابرة، بل هو ضرورة قصوى لحماية السلم المجتمعي، وإنقاذ طاقات شبابنا من الضياع في سراب العالم الافتراضي الذي يبيع لهم الوهم ويتركهم أسرى للإحباط والبطالة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة