حازم حسين

حرب الناقلات ومضيق الزمن

الإثنين، 07 سبتمبر 2026 02:00 م


عالقان فى فخ واحد، تعاونا على حفره وتعميقه، ويرفضان التعاون فى ردمه أو الخروج منه.
وخلاصة الموقف بين الولايات المتحدة وإيران: يخسر العدو وإن خسرنا معه، ولا نربح إذا كان سيربح معنا.
قد تتخذ الهزيمة ألف صورة وأكثر، لكنها لا تتسمّى إلا باسمها الوحيد. وكل ما دون الانتصار الصريح يمكن أن يُحمَل على الضد.
ويُصبح الحُكم جازمًا مع الإنكار، والتمادى فيه، واستمراء الرهان على استنزاف الآخر، بالبقاء تحت رحمة الساعات وعقاربها السامّة.
وأكثر الجدل الراهن على الشكل لا المضمون. يُهدّد الأمريكيون، ويُزمجر الإيرانيون، ويتبادل الطرفان مناوشات النار والدعاية.
وتمضى الوقائع على حرفٍ بينهما: لا المضيق مُغلق ولا مفتوح، ويئن العالم من دون يزعج المُتحاربين، واقتصاد الجمهورية تحت أثقال العقوبات، وفوق حدّ الانفجار!
أقرّ ترامب مبدأ «ناقلة مقابل ناقلة»، وفعّله خامنئى الابن، لو كان حيًّا يُرزق، أو له من الأمر شىء.
أصابت قوات الأوّل ثلاث ناقلات، فردّ رجال الثانى بالمثل، فضلاً على ثلاثٍ أُخرى مُرتبطة بأمريكا، بحسب ما نُقِل عن بحرية الحرس.
وقعت حرب الناقلات فى زمنٍ سابق، والتاريخ لا يُعيد نفسه، لكنه قد يُخرج لسانه للمؤرّخين أحيانًا.
وما تحت الماء، أشدّ دلالة مِمّا يشتعل على السطح. ستّ قطع بحرية فى غضون أربع وعشرين ساعة، وبقاعدة أن تسعة أعشار عمليات التهريب والأنشطة الخفية تستعصى على الرصد، فالمعنى أن أربعًا وخمسين سواها قد مرّت بالفعل.
تُغطى الحاملات والمقاتلات ممرّ الملاحة الجنوبى من هُرمز. كثير من القوافل تعبر تحت الحراسة اللصيقة، والبعض يُغلقون أجهزة التتبُّع فلا يراها العدو، وما يصحّ مع الجانب الفارسى ينطبق على ناحية عُمان!
بعض التقديرات تصل بالأعداد إلى خمسين سفينة وناقلة يوميًّا، ونحو ثمانية ملايين برميل من النفط.
وسواء صح الأمر أم كان خاطئًا بالكُليّة، أو كان له نصيب من الصحّة مع قدرٍ من المُبالغة، فالقصد أن الحال غير ما يصوّر الفريقان معًا، فلا انسحق الملالى كما يتفاخر سيد البيت الأبيض، ولا داسوا على وجه غريمهم مثلما يزعم صقور طهران.
يقول الساسة دومًا ما يحتمله العوام، لا سيما فى أوقات الضغط ومواسم الانتخابات. ويعلم ترامب وحلقته الضيقة أنهم لم ينتصروا فعلاً، ولا بمقدورهم الانتصار.
والمؤكد أن خصومهم على الضفة المقابلة، يعرفون أنهم يقتسمون الهزيمة مع الغُزاة، وإن أنكروا.
وأن الحصار يخنقهم فعلاً، ويُجهز على ما تبقّى من مقدرات النظام وفرص بقائه، وليس بوسعهم الاستمرار هكذا إلى أجل غير مُسمّى.
تحوّلت واشنطن عن القتال تماما، وأتصوّر أنها لن تعود إليه، وما يجرى أقرب إلى إبقاء الجبهة دافئة، من غير رغبة فى إحراقها أو حسم المُنازعة مرّة وإلى الأبد.
ويعود الباعث إلى سباق الكونجرس الوشيك طبعًا، وإلى القيود القانونية أيضًا. انتهت صلاحية الرئيس لإطلاق عمليات عسكرية بدون موافقة النواب، وعليه أن يظل تحت السقف، لكى لا يصطنع أزمة لا مُبرّر لها، أو يضعف موقف رجاله فى الاستحقاق.
ما يزال البعض يستخدمون صفة «الغضب الملحمى» للاشتباك مع الجمهورية الإسلامية، وقد صدرت توجيهات أخيرة بالتحوّل عن الاسم الذى انتهى قانونا، على أن تُستبدل به تسمية «العمليات فى نطاق المنطقة المركزية».
يُعوّل عجائز طهران، ومُراهقوها الصاعدون حديثًا بأوهام متضخمة وخبرات محدودة، على أن تُستنزَف قاعدة ترامب فى نوفمبر، ويتحوّل بطّة عرجاء مبكّرًا، وقبل سنتين من موعد تقاعده المعروف.
وبعيدًا من خفّة الافتراض، وبدائل الرجل المُنفلت من كل عقال. ما يزال احتمال الحفاظ على الأغلبية قائما، وحتى مع الخسارة يملك إطلاق عمليات عسكرية محدودة ومُتقطّعة، ولديه الفيتو لإحباط ما لا يعنّ له، وقد يكون مستحيلاً أن يصل الديمقراطيون لأغلبية الثلثين اللازمة لتجاوزه!
باختصار، إما أن تبقى المُعادلة على حالها القائمة، أو تتعزز بأغلبية أكبر، أو يتعرّى البيت الأبيض من شبكة الأمان التشريعية، فيعتبر ترامب أنه خسر بأثر الحرب وسلوكيات الحرس والأذرع الإيرانية، وينظر لغريمته البعيدة نظرة الأسد الجريح، وتزداد غضبته بحثًا عن الثأر والتعادل النفسى.
وإلى أن تستقر التوازنات فى واشنطن، فالوقت ليس فى صالح طهران بالمرة. كان المضيق ورقتها الرابحة، صار الوحيدة تقريبًا، وتحوّل خنجرا فى خاصرتها، بل إنها تتضرّر منه أضعاف ما يقع على الخليج والأمريكيين والعالم بأسره.
تدويل الصراع لم يتحقق كما أرادت، وتسعير المخاطر ما يزال تحت سقف الاحتمال، والاستثمار فى الفوضى لم يُفجّر آبار النفط أو يشعل أسعاره فى الأسواق بما يضع الأزمة على طاولة الاستعجال، ويُجبر الجميع على التكاتف لاحتواء آثارها وإرخاء حبل التنازلات للقراصنة الجُدد.
غير أن المفارقة الملفتة فى المشهد، وما يقع فى حيِّز التناقض الغريب، أن الهدية الأثمن للمُرشد الجديد، ونظامه الآخذ فى التشكُّل على صورة عسكرية شبه صافية، لا تعود العمائم فيها إلا واجهة أو غطاء، تأتى من جانب العدو اللدود.
كان الشارع مُشتعلاً فى يناير، ويوشك أن يتطور الغضب إلى ثورة عارمة. الهجمة العسكرية حيّدت المُعارضة، وأعادت تعويم السلطة، وسدّت فراغاتها المُتّسعة بصمغ الوطنية واللُحمة فى المُلمّات.
والرمادية المُخيّمة على الميدان الآن، تعطى الجنرالات نياشين القتال بلا جراح أو ضجيج. تحجب الشعارات طبقات مُتراكمة من الضيق المشروع، وتُطيل عُمر الفشل. تُفسّخ صفوف المُعارضين، وتُسوّغ القمع لدى الموالين، وتنثر رماد البلد المُحترق فى عيون الجميع.
ولو أن العدو ذكى فعلاً، لأخرج نفسه من المساحة الضيقة بين الإيرانيين ونظامهم المُتعثّر. وترك الحصار يُنتج آثاره المُتوقّعة، والإحن القديمة والجديدة تشتغل على التوازنات المُختلة، وتدفع المنظومة لإعادة هندسة هيكلها من الداخل، أو تُطيح بها تماما.
وقد لا يكون الأمر مقصودًا، لكن العبرة بالأثر. شىء يُشبه التخادم اليمينى المُتبادل على الساحة الفلسطينية، بين الليكود وحماس، لسنوات طوالٍ منذ انقلاب الحركة على السلطة الوطنية قبل عشرين عاما، واستبدادها بالقطاع وأهله المنكوبين.
يتساند التطرّف على بعضه، وقد يكره الأمريكيون عمائم إيران، إنما لا يرتاحون لإحلال نظام مدنى ديمقراطى بالكامل، يُطلق إمكانات البلد المُعطّلة، ولا يعود فزّاعة لجواره القريب، ومُبرّرًا لاستنزاف الموارد واستمرار التموضع العسكرى فى المنطقة.
ليس الصراع الدائر أكثر من عِراكٍ بين مصارين البطن الواحد. ولطالما تعايشت واشنطن مع طهران، حتى عندما ولغت الأخيرة فى دماء جنود الأولى، كما فى جرى فى لبنان الثمانينيات وعراق ما بعد الألفية.
خلاف على المصالح، وإعادة تكييف لشروط المُساكنة. قد تفلت الحسابات بخطأ عارض، وقد يتمادى طرفٌ فى اللعبة بلا قصدٍ حتى يفسدها تمامًا. غير أنها لو سارت بمنطقها المُعتاد، فستُفضى إلى صفقةٍ سيئة كسابقاتها، ولو طال الزمن!
المنطقة مدعوّة لأن تُعيد النظر فى مُجمل الوقائع، قديمها قبل الجديد. وألا تُفاضل بين نارين بالشكل أو درجة اللمعان.
ولا أن تبقى أسيرة لحظة تتلوّى وتتلوّن، لترسم حدًّا وهميًّا بين زمنين، فيما هما زمن واحد، يستميتُ ليعبُر محنته على أجساد ضحاياه، من الدول والشعوب، ومَن لا ناقة لهم أو جمل فى معارك المُحتلّين والمُختلّين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة