في بدايات مواقع التواصل الاجتماعي، كان الترند أشبه بموجة عفوية تتكون عندما ينشغل عدد كبير من الناس، في وقت واحد، بحدث أو قضية أو أغنية أو مباراة. لم يكن أحد يقرر رسميا ما الذي يجب أن يثير اهتمامنا، بل كانت اهتماماتنا المتفرقة تتجمع فجأة، فتطفو قضية فوق السطح، ثم تنحسر لتحل محلها قضية أخرى. كان الترند، في صورته الأولى، انعكاسا لما يشغل الناس. أما اليوم، فقد أصبح في أحيان كثيرة أداة لتحديد ما ينبغي أن يشغلهم.
هنا حدث التحول من الترند إلى صناعة الترند. لم يعد السؤال: ما الذي يتحدث عنه الناس؟ بل: كيف نجعل الناس يتحدثون عما نريده نحن؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين مرآة تعكس الواقع وآلة تعيد تشكيله.
صناعة الترند لا تبدأ بالضرورة من خبر مهم أو حدث حقيقي. قد تبدأ بصورة مبتورة، أو مقطع فيديو خارج سياقه، أو تصريح قديم يعاد تقديمه كأنه قيل بالأمس، أو شائعة مصاغة بقدر كاف من الغموض والإثارة. ثم تدخل مجموعة من الحسابات المتزامنة، الحقيقية أو الوهمية، لتكرر الرسالة نفسها بصيغ مختلفة. يضاف إلى ذلك عدد من التعليقات الغاضبة، وبعض النكات والصور الساخرة، فتكتسب القصة مظهر الحدث الجماهيري. وعندما يراها المستخدم في كل مكان، يتعامل معها باعتبارها حقيقة عامة لا مجرد محتوى جرى دفعه بعناية.
الترند المصنوع لا يحتاج إلى إقناعنا بفكرة كاملة، بل يكفيه أن يحتل انتباهنا. فالانتباه هو العملة الأغلى في العصر الرقمي. وما إن تنجح قضية ما في الاستيلاء على انتباه الجمهور، حتى تصبح قادرة على إزاحة قضايا أخرى أكثر أهمية. قد يستيقظ الناس على أزمة تمس حياتهم فعليا، ثم يجدون أنفسهم بعد ساعات غارقين في معركة حول فستان فنانة، أو تصريح غامض، أو خلاف بين شخصين لم يسمعوا عنهما من قبل. وهكذا لا يكون الهدف دائما إقناع الجمهور بالكذب، بل أحيانا منعه من النظر إلى الحقيقة.
تعمل صناعة الترند وفقا لمنطق بالغ الذكاء: الناس يثقون فيما يتكرر. إذا شاهد المستخدم الرأي نفسه عشرات المرات، يبدأ في الشعور بأنه رأي الأغلبية، حتى لو كانت الحسابات التي تردده جزءا من حملة منظمة. ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته بالأغلبية الوهمية. مجموعة محدودة تستطيع، بالتكرار والكثافة والتوقيت، أن ترتدي قناع المجتمع كله، وأن تدفع المختلفين معها إلى الصمت خوفا من العزلة أو الهجوم.
ولا تقف أهداف هذه الصناعة عند التسويق لمنتج أو أغنية أو مسلسل. ففي صورتها الأخطر، تستخدم لتشويه شخص، أو تلميع آخر، أو اختبار رد فعل الجمهور تجاه قرار، أو تحويل الاتهام إلى إدانة شعبية قبل ظهور الحقائق. وقد تستخدم لإغراق المجال العام بعشرات القصص الصغيرة حتى تضيع القصة الكبرى، أو لتحويل قضية معقدة إلى مواجهة سطحية بين فريقين: مؤيد وخائن، ضحية وجلاد، بطل وشرير. فالترند لا يحب المناطق الرمادية، بينما الحقيقة غالبا ما تعيش فيها.
الأخطر أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى الأكثر صدقا، بل المحتوى الأكثر قدرة على إثارة التفاعل. الغضب أسرع انتشارا من التفسير، والفضيحة أكثر جذبا من التصحيح، والاتهام أكثر إثارة من السؤال. لذلك تتفوق المعلومة المضللة أحيانا، لا لأنها أكثر منطقية، بل لأنها أكثر قابلية للمشاركة. وحين يظهر التصحيح لاحقا، يكون الترند قد استهلك القضية، وشوه سمعة أشخاص، وترك انطباعا يصعب محوه.
لكن مقاومة الترند لا تعني الانسحاب من العالم أو الشك في كل شيء. المطلوب هو استعادة المسافة بين ما نراه وما نصدقه. قبل مشاركة أي قصة، يمكن أن نسأل: ما مصدرها الأول؟ هل الفيديو كامل؟ هل التصريح حديث؟ من المستفيد من انتشاره الآن؟ وهل نحن أمام قضية حقيقية أم أمام انفعال جرى تصميمه خصيصا لكي نشارك فيه؟
من المهم كذلك ألا نخلط بين كثرة الكلام وأهمية الموضوع. فليس كل ما يتصدر الشاشة يمثل المجتمع، وليس كل ما يختفي من قوائم التداول قليل القيمة. هناك قضايا شديدة الأهمية لا تمتلك الصور المثيرة أو العبارات القصيرة التي ترضي الخوارزميات، ولذلك تبقى بعيدة عن الضوء. وفي المقابل، يمكن لقصة فارغة أن تملأ المجال العام لأنها صنعت بطريقة تلائم شهية المنصات.
لقد كان الترند في بدايته نتيجة لاهتمام الناس، لكنه أصبح الآن، في كثير من الأحيان، وسيلة لصناعة هذا الاهتمام وتوجيهه. وفي عالم يستطيع فيه الآخرون اختيار ما نغضب من أجله، وما نسخر منه، ومن ندينه، تصبح مقاومة الترند شكلا من أشكال الدفاع عن حرية التفكير. لا يعني ذلك أن نتجاهل ما يتحدث عنه الجميع، بل ألا نسلم للجميع، أو لمن يتخفى وراء الجميع، بحق التفكير نيابة عنا.