حازم حسين

ماتريكس وبودريار.. وحادث لم يحدث

الأحد، 06 سبتمبر 2026 02:00 م


«ماتريكس فيلم قد تُنتجه المصفوفة نفسها».. بتلك العبارة صوّب الفيلسوف الفرنسى جان بودريار على عملٍ يستلهم أفكاره، مُعتبرًا أنه يُعيد إنتاج الإطار الذى يدّعى نقده أو الانعتاق من سطوته.

استندت المٌعالجة لكتاب «المُحاكاة»، وخلاصته أننا نعيش فى بيئة افتراضية كاملة، ذوّبت الواقع حتى لم يَعُد له وجود؛ وليس أنه كائنٌ فى ركنٍ قصىّ، نفارقه ونعود إليه كما صوّر الشريط السينمائى.

وبشكلٍ أو آخر؛ يتّصل المضمون وتنوّعاته الفكرية والبصرية، بما سبق أن طرحه المفكر نفسه فى كتابه الأشهر: «حرب الخليج لم تقع».
وذلك؛ عندما رأى أن ما بعد غزو الكويت مسرحيّة أكثر من كونه صراعًا فعليًّا، مُتكافئًا، ومفتوحًا على الاحتمالات؛ إذ اعتبره مُجرّد بُرهانٍ مُصنّع على حُكمٍ سابق.

يشتبك صاحب نظرية «الواقع الفائق»، مع نقطة شديدة العُمق والخيال معًا: أغارت الطائرات، وتفجّرت القنابل، ومات مَن مات، إلى أن طُرِد الغُزاة وتحرّرت الأرض؛ غير أن العملية لم تكن حربًا أصلاً.

كان الحدث استثنائيًّا من كل وجه؛ لا سيّما أنه أول معركة تُبَثّ على الهواء، كما فعلت CNN، فيما غيَّر خبرة الجمهور بميادين القتال ومُطالعاتها الإخبارية من يومها للآن.
وهُنا تحديدًا جرت فعّالية التفلسف البودريارية. إذ لم يُنكر الوقائع المادية بمقدّماتها ونتائجها؛ لكنه عدَّها مُحاكاةً لا نقلاً للواقع الفعلى.
عرض بصرى مَصوغ بعناية فائقة، لأهداف مُقرّرة سلفًا. يغيب الحدث، وتحضُر معالجة إعلامية مُوجّهة؛ فكأنّ الصورة تنوب عن الواقع، وتتقدّم عليه، ثم تلغيه لصالحها، وتُصادر منه السرديّة تمامًا.

وفى التأصيل الفنى؛ كان يتقصّد استعراض القوة من بعيد، وغيبة الالتحام، وتحديد الشكل والنتائج قبل افتتاح المواجهة.
وبعيدًا من التفاصيل؛ فمفاد القول إنها كانت كذبة كبيرة، أراد صانعها أن تمرّ عبر العيون لا الأسماع، وسحر الصورة يعلو على كلّ روايةٍ مهما توافر فيها من منطقٍ وإقناع!
كلُّ ما فات مُجرّد مُقدّمة؛ والغرض أن أشتبك مع موضوعٍ يبدو ظاهرًا أبسط مِمّا فات، إلّا أنها جميعًا من مصفوفةٍ واحدة، تستند للقاعدة ذاتها، وتنطبق عليها باقة المآخذ والمعايير.
استيقظ مستخدمو مواقع التواصل صبيحة الجمعة على صُوَرٍ تفشّت عبر طابور من الصفحات والحسابات، مصحوبة بصيغة مُوحّدة ومشحونة عاطفيًّا، عن حادثةٍ مرورية ضخمة على طريق القاهرة/ الإسكندرية الصحراوى.

تردّد الأمر لعِدّة ساعات بين الأفراد؛ ثم تورّطت فيه منصّات إخبارية، منها أماكن ليست خفيفة بالمرّة، ولها حضور فى السوق أوّلاً، ومعايير تحريرية يُفتَرَض أنها راسخة بالتجربة، وما أسهل سُبل التحقُّق، وأكثر وسائل التعليق والإحالة وإبقاء الأنباء تحت طائلة الشكّ.

بلغ الفاصل عشر ساعات تقريبًا، بين بزوغ الحادث من العدم، وانتقاله لبعض المواقع الصحفية عصرًا. وما استرعى انتباه الزملاء ثبات معلوماته المحدودة وصوره البسيطة طوال تلك الفترة، ولا غيبة الإفادة الرسمية عن أمرٍ جلل كهذا.

والخبرة الطازجة؛ أقلّه بالأسابيع الأخيرة، أن الوزارات وأجهزتها التابعة لم تعُد تتأخّر فى المُتابعة وإعلان المُتاح أوّلاً بأوّل، والإجراءات المُتّخذة، مع تحديثها بانتظام.

وأن تتصادم عشرات السيارات كما أظهرت الصور، ويقف الناس حشودًا للمُساعدة، مع ما يَنمّ عنه الحجم من سقوط ضحايا قطعًا؛ لا يُمكن أن يمرّ منطقيًّا على الداخلية والنقل والصحة، وعلى التنمية المحلية بحسب مكان الحادث وتبعيته بين محافظات الطريق.

والحقّ؛ أنّ الأعزّاء الذين تطوّعوا بالمُشاركة فى إفشاء الشائعة بين الناس، ومَنحِها قدرًا من المصداقية الناشئة عن مَأسَسة الزعم ووضعه تحت لافتةٍ صحفية مُعتبَرة، قبل أن تنفيه الجهات الرسمية، ارتكبوا حزمة مُوبقات تتنافر مع أبجديات المهنة.

والمفارقة أن أحد العناوين التى ابتلعت الطُّعم وروّجته، لا تتوقّف إدارتها المُحترمة عن التنظير صباح مساء، والتباهى بالتقنية وأدواتها الحديثة، والتفلسف بشأن أزمات الصحافة حاضرًا، وحلولها اللوذعيّة مُستقبلاً.

وكان يكفى من كلّ تلك الأدوات؛ أن تُمارس بدائيّات البحث العكسى، لمعرفة ما إذا كان للصورة أصل سابق، والوصول لأول ناشر، والتقصّى بشأن هُويّته وسابقة سلوكه الرقمى.

وقبل كلّ هذا، وأهمّ وأسهل منه قطعًا، العودة للجهات المَعنيّة، ووضعها فى صورة الأنباء المُتداوَلة، والتحصّل على تعليق واضحٍ، أو انتظار ما يُفاد به من معلومات مُدقّقة.

لن أكون قاسيًا لأدعو إلى تحريك المُحررين والمُراسلين للمكان، ولا حتى المُطالبة بالاعتذار لاحقًا عن الخبر بعد حذفه، وبعدما وضعت الداخلية صورًا من مواقعهم فى تكذيبها للواقعة.

أبسط الأمور على الإطلاق؛ لو أنَّ شهوة الترافيك تسلّطت عليهم لدرجة إلزامية النشر، أن يُحال الخبر غير الموثوق حتى لحظته، وغير المُدَقَّق من مصادره الطبيعية، أو بالمُشاهدة المباشرة للمُحرّر، إلى مصدره وأصحابه الأصليِّين، ليُنسَب لهم فى خيره وشرّه، ولا يُمنَح مصداقية إضافية لا يستحقها.
وذاك مأخَذٌ آخر على المُتورّطين؛ لأن الغرض من إخفاء المصدر أن يسطو المُحرّر على الخبر، أو ينسبه لصحيفته، مع الإيهام بالوصول المباشر للمنبع/ موقع الحدث.
أى أن المُخالفة بقدر ما فيها من انتهاك لمعايير التثبُّت، وتغليبٍ للخفّة والاستسهال، لا تخلو من ثغرةٍ أخلاقية، يُستحَلُّ فيها المحتوى بدون ملكيّته أو الاجتهاد فيه، وما يجرى مع المشاعىّ ونتاج العوام، لا ضمانة لعدم تكراره مع الخاص وجهد المنصّات المنافسة!

تنشط صفحات الإخوان ولجانهم على كلِّ المستويات، لا أعرفُ حقيقيةً إن كانوا وراء خبر الحادث أم لا؛ لكننى مُوقِنٌ تمامًا من أنهم أبرز المستثمرين فى اقتصاد الشائعات، يسعون بدأب وإصرار إلى إشاعة اليأس والإحباط، والتشكيك فى أية معلومة، وضرب مصداقيّة كل مؤسسة رسمية وإعلامية.

ومن كل ثُقبٍ يطرأ، أو يتّسع، فى نسيج العمل التنفيذى أو الإعلامى، تمرُّ حشرةٌ من حشرات الجماعة الإرهابية، وتُوضَع عبوّةٌ مُفخّخة للنَّيْل من هدفٍ جديد.
الخبر ليس بضاعةً هيّنة، ولا زهيدة القيمة. المصداقيةُ عُملة نادرة، ولا تُكتَسَب عَرضًا أو تكبُر فى أسابيع وشهور. والتعثُّر فى الصغيرة يُعرّى صاحبه لاحقًا فى الكبيرة، وكلُّ تنصُّلٍ من سقطة؛ يأخذ معه قدرًا من الرصيد.

نفَتْ الجهاتُ الرسمية، وردّت وزارة الداخلية ببيانٍ، واضطرّت المواقع للحذف؛ غير أن الموقف غير بسيط بالمرّة، ويجب ألّا يتوقّف عند تلك النقطة، ولا أن يمرّ علينا مرور الكرام.

يجب أن يعتذر المُخطئ، وأن يتحلّى العاملون فى مهنة الإخبار والتدقيق بفضيلة الدقة، وفريضة المُراجعة.

يتطلّب كلُّ خطأ، مهما بدا صغيرا، أن يُحَقَّق وتُتّخذ فيه إجراءات واضحة، يُخطَر بها الجمهور، مع وضع آلياتٍ عمليّة لسدّ الثغرات، وضمان عدم التكرار.
تجتهد كثيرٌ من صالات التحرير؛ لكنّ البعض يستسهلون، ويُمارسون المهنة بعشوائيّة واستخفاف.

والصغار يضرّون الكبار، والانتهازيون يمسّون سُمعة الجادّين، والمهنة كلها.. والحقيقة أنّ الصحافة أعلى كثيرًا من سلوك بعض مُمارسيها، والوعى والبلد وسِلمه المجتمعى أكبر من الجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة