مرثا محروس

ليس كل ما يُزال يُعوَّض

الأحد، 06 سبتمبر 2026 04:19 م


في زمنٍ أصبحنا نعتاد فيه أن يتغير شكل الشوارع من حولنا سريعًا، ربما ننسى أن بعض الأشياء حين تختفي لا تعود كما كانت، حتى لو استطعنا أن نبني مكانها أشياء جديدة.

هناك أشياء لا تُقاس بقيمتها المادية، ولا تُعوَّض بمجرد البديل… أشياء أخذت سنوات طويلة حتى تصبح جزءًا من المكان، ومن ذاكرة الناس، ومن تفاصيل حياتهم اليومية

في وسط زحام القاهرة، وبين العمارات والطرق والكباري والسيارات، هناك شيء بسيط جدًا نفتقده كل يوم أكثر: شجرة.

شجرة تقف في شارع نعرفه، تظلل رصيفًا نمشي عليه، أو تمنح طفلًا مساحة يرى فيها شيئًا أخضر بدلًا من الإسفلت والخرسانة.

لذلك، فإن توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسي الأخيرة بضرورة تبني مشروع لـ«تخضير القاهرة»، وتحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، ليس مجرد توجيه يتعلق بتجميل العاصمة، وإنما هو رسالة مهمة جدًا عن شكل الحياة التي نريدها في مدننا.

والحقيقة أن الناس خلال الفترة الحالية ليس لديها إلا سؤال ثابت : هو لازم كل تطوير يكون على حساب شجرة عمرها أكبر من عمر بعض الدول؟

نحن جميعًا نريد التطوير، ونريد طرقًا أفضل، وحركة مرور أسهل، وشوارع أكثر تنظيمًا، ومشروعات جديدة. لكن التطوير الحقيقي لا يجب أن يجعل المدينة أكثر قسوة على الإنسان.

فالمدينة ليست خرسانة فقط.

المدينة التي نريد أن نعيش فيها تحتاج إلى طريق جيد، ومبنى جيد، وخدمات جيدة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى شجرة ومساحة خضراء ومكان يستطيع الإنسان أن يتنفس فيه ويشعر أن المكان الذي يعيش فيه ليس مجرد كتلة من الأسمنت.

والأهم أن الشجرة الكبيرة ليست شيئًا يمكن تعويضه بسهولة.

قد نستطيع أن نزرع عشرات الشتلات في مكان شجرة قديمة، لكننا لا نستطيع أن نشتري بالمال سنوات عمر تلك الشجرة، ولا ظلها، ولا شكلها الذي اعتاد عليه سكان المنطقة، ولا المساحة التي صنعتها من الخضرة في وجدان الناس.

نحتاج إلى قاعدة واضحة في كل مشروعات التطوير:
إذا كان من الممكن تنفيذ المشروع دون إزالة شجرة، فالأفضل أن تبقى الشجرة.

وإذا كان نقل الشجرة ممكنًا، فيجب دراسة ذلك من خلال المتخصصين.

وإذا اضطرتنا الضرورة لإزالة شجرة، فيجب أن يكون هناك تعويض حقيقي ومدروس، وليس مجرد زراعة شتلة صغيرة لا تعادل في أثرها شجرة عمرها عشرات السنين.

وهنا يأتي الجزء الأهم في توجيه الرئيس: أن تصبح المساحات التي يتم إخلاؤها مساحات خضراء.

هذه الفكرة يمكن أن تغير شكل القاهرة فعلًا، إذا تحولت من توجيه إلى خطة واضحة لها حصر، وجدول زمني، ومسؤوليات محددة، ومتابعة حقيقية.

وأتمنى ألا تتوقف الفكرة عند القاهرة.
فما تحتاجه القاهرة تحتاجه الإسكندرية، والجيزة، والدقهلية، والمنوفية، وأسيوط، وسوهاج، وكل مدينة وقرية مصرية.

نحن لا نحتاج فقط إلى «مدن جديدة»، بل نحتاج أيضًا إلى مدن أكثر إنسانية.
مدن فيها ظل ،مدن فيها شوارع يمكن أن يمشي فيها المواطن دون أن يشعر أنه محاصر بالخرسانة.

مدن يستطيع فيها الطفل أن يرى شجرة أمام مدرسته، ويستطيع فيها كبار السن أن يجدوا مساحة مفتوحة، ويشعر فيها الجميع أن التطوير جاء ليحسن حياتهم، وليس فقط ليغير شكل المكان.

والأجمل أن الاهتمام بالمساحات الخضراء يمكن أن يصبح جزءًا من ثقافة المجتمع نفسه.

المدرسة تزرع شجرة، والحي يحافظ عليها، والجامعة تطلق مبادرة للتشجير، والمواطن يعرف أن قطع شجرة ليس تصرفًا عاديًا، وأن زراعتها ليست مجرد صورة لافتتاح مشروع.

ولذلك أرى أن توجيه الرئيس بعودة اللون الأخضر يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة مرحلة لا نضع فيها التطوير في مواجهة البيئة ، ولا نضع فيها الطريق في مواجهة الشجرة ، ولا نعتبر المساحة الخضراء رفاهية يمكن الاستغناء عنها وقت الحاجة.
وربما تكون الرسالة الأهم التي نحتاج أن نخرج بها اليوم بسيطة جدًا:

طوّروا المدن كما شئتم.. لكن اتركوا لنا شجرة نتنفس تحت ظلها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة