ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، ناقشت ندوة «التجريب وآليات النظام الرأسمالي العالمي» علاقة المسرح التجريبي بالهيمنة الرأسمالية، وسبل مقاومة آليات السوق، إلى جانب الدور الذي يمكن أن يلعبه رأس المال في دعم الإبداع المسرحي.
وأكد الدكتور عمر بوجليده أن المسرح التجريبي يتجاوز النظرة التقليدية إلى المسرح بوصفه مجرد متعة بصرية، ليصبح ساحة للصراع الفكري والثقافي ومجالًا لمساءلة الواقع والأنساق السائدة.
وأوضح أن المسرح التجريبي يمثل طاقة تحليلية وموقفًا جذريًا يسعى إلى تفكيك الأنساق الرمزية والأيديولوجية، ومقاومة الذوق الذي تكرسه الرأسمالية الثقافية والنيوليبرالية.
وقال إن التجريب لم يعد مجرد مغامرة جمالية، بل أصبح جبهة فكرية وثقافية تسعى إلى تعرية الوعي الزائف ومساءلة اليقينيات وهدم البنى التقليدية.
وأشار إلى ضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالتراث وتجاوز الرؤى الاستشراقية والفلكلورية، داعيًا إلى استلهام الحضارات والتراث الإنساني لإنتاج رؤى جديدة للتجريب المسرحي.
وطرح بوجليده إشكالية «بنية التمرد وآليات الاستيعاب»، متسائلًا عما يحدث عندما تنجح المنظومة الرأسمالية في احتواء التمرد نفسه.
وأوضح أن الرأسمالية لا تواجه المسرح التجريبي دائمًا بالمنع، بل قد تستوعبه وتدجنه من خلال التمويل وآليات الصناعة الثقافية، وتحول التجربة الفنية إلى منتج استهلاكي.
وضرب مثالًا بتقنية «التغريب» لدى برتولت بريخت، التي قد تتحول من أداة لإيقاظ الوعي النقدي إلى مجرد تقنية شكلية تفقد شحنتها الفكرية.
ومن جانبه، استهل أ.د. عاطف بهجات حديثه بتوجيه الشكر للقائمين على اللقاء، معربًا عن سعادته بالتواجد وسط هذه الكوكبة العلمية، ومؤكدًا أهمية القضايا الفكرية والفنية التي يطرحها المسرح المعاصر.
وعن علاقة المسرح برأس المال، أوضح أنها علاقة ذات بُعدين؛ أولهما يتمثل في استخدام المسرح أدواته الإبداعية لمناهضة السلطة والسخرية منها وكشف الصراع بين رأس المال والفقراء.
واستشهد بتجربة الفنان نجيب الريحاني وشخصية «كشكش بيه»، التي ظهرت عام 1917، باعتبارها نموذجًا فنيًا يعكس الصراع الاجتماعي بين رأس المال والفئات الفقيرة.
أما البُعد الثاني، فيتمثل في دعم رأس المال للفن والمسرح، مستشهدًا بتجربة الأميرة عائشة فهمي مع الفنان يوسف وهبي، والتي أسهمت في إنشاء «مدينة رمسيس»، بوصفها تجربة جمعت بين الفن والاستثمار.
وأشار إلى أن الفنان محمد صبحي تأثر بهذه التجربة، فأنشأ «مدينة سنبل للفنون» كنموذج يجمع بين الفن والاقتصاد، وانتقل إلى التجربة الجزائرية من خلال مسرحية «شارع المنافقين» من تأليف وإخراج أحمد رزاق وإنتاج المسرح الوطني الجزائري، والتي تناولت مظاهر الفساد والاحتيال في زمن الوباء في قالب من الكوميديا السوداء.
وأوضح أن العمل يدق ناقوس الخطر بشأن تداعيات سيطرة البورصات والبنوك والمؤسسات المالية العالمية على سياسات العديد من دول العالم، مؤكدًا أن علاقة المسرح برأس المال تظل علاقة مركبة تجمع بين الصراع والمقاومة من جهة، والدعم والإنتاج من جهة أخرى.