لم تكن مصر يوماً مجرد جغرافية تحرث الأرض وتزرع الطيبات، بل كانت ولا تزال "دولة التلاوة" التي تستنبت الحناجر الذهبية، وتصوغ من الأنفاس البشرية نغماتٍ ملائكية تهز القلوب قبل الآذان.
في هذه الرقعة المباركة، لا يموت الصوت الشجي، بل يتناسل في الكتاتيب، ويسري في دماء الصغار كسرٍ إلهي يتوارثه الأبرار كابراً عن كابر.
وفي خطوة جديدة لإحياء هذا الإرث الخالد، أعلنت وزارة الأوقاف، بالتعاون الاستراتيجي مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عن تأهل 51 متسابقاً إلى التصفية الثالثة من الموسم الثاني لمشروع "دولة التلاوة".
جاء هذا العبور بعد اختبارات صارمة شملت آلاف المتقدمين من كل أرجاء الجمهورية، لتبدأ مرحلة أكثر إثارة وشغفاً لجمهور متعطش لكل صدى أصيل يذكرهم برعيل القراء الأوائل.
ومن بين هذه الجواهر المكتشفة، يتجلى اسم الشيخ إبراهيم محمد إبراهيم حب النبي، ابن قرية "شطورة" بمحافظة سوهاج، ليكتب فصلاً إنسانياً بليغاً من كفاح الصوت والروح.
أذكره صغيراً وأنا ألمحه يخترق أزقة القرية متسلحاً بالمصحف، يهمس بآياته ذهاباً وإياباً إلى الكُتّاب، وكأن الطريق نفسه كان يتشرب منه الخشوع.
لم تكن تلك العذوبة وليدة الصدفة، بل كانت نبتة طيبة في أصلٍ ثابت؛ فقد ترعرع في كنف والدٍ أزهري وقور، معلمٍ جليل زرع القرآن في قلوب الأجيال قبل السطور، وأمٍ عظيمة بشوشة الوجه، راقية الطبع، تجملت بالحياء وعمرت بيتها بالمحبة، وسط هذه البيئة الهادئة، ونشأته بين أشقاء وشقيقات يتنفسون المتانة العلمية والتدين الصامت، صُقلت موهبة إبراهيم لتغدو نادرة صافية.
من يستمع للشيخ إبراهيم في الليالي القرآنية التي تجملت بها قريتنا مؤخراً، ينتابه ذهول محبب؛ إذ تعود به الذاكرة إلى تجليات المنشاوي، وخشوع عبد الباسط، وهيبة مصطفى إسماعيل.
إنه لا يرتل الكلمات فحسب، بل يسكب في الفضاء أماناً وسكينة، ويجعل من النغمات الدينية ملاذاً للنفوس الحائرة.
الدعوات تتزاحم اليوم لابن سوهاج، وهو يخطو بثبات نحو افتضاض أسرار النغم القرآني، ليكون سفيراً جديداً يضاف إلى سجل الخالدين في دولة التلاوة.