عادل السنهورى

مصر والصين....بعيدا عن "الوصاية"

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 05:23 م


في رأيي أن الزيارة التاريخية الأخيرة للرئيس الصيني شي جين بينج بينج إلى مصر ينطبق عليها بصورة حقيقية ودون مبالغة وصف " الزيارة الاستثنائية" ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، وفي ظل تحولات دراماتيكية متسارعة في منطقة الشرق الأوسط وفي النظام الدولي والصراع والتنافس عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا على مناطق النفوذ.

الزيارة استثنائية واستراتيجية لأنها تأتي في ظل الرغبة في ايجاد نظام دولي جديد متعدد الأقطاب سياسيا واقتصاديا، ولا تستحوذ عليه قوة كبرى واحدة قادت سياستها وتوجهاتها الى مزيد من الحروب والتوترات الاقليمية وارهاصات لحروب اقتصادية تعاني منها دول العالم وبخاصة الدول النامية التي تدفع فواتير هذه السياسات باستنزاف قدراتها وتحمل أعباء وأزمات اقتصادية ضخمة.


زيارة الرئيس الصيني الى المنطقة وتحديدا الى مصر فقط تحمل في دلالاتها معاني سياسية واقتصادية واستراتيجية بالنسبة للصين أيضا وليس لمصر فقط. فهذه هي ثاني زيارة عقب 10 سنوات منذ الزيارة الأولى للرئيس شي جين بينج عام 2016 . وخلال تلك الفترة الطويلة جرت في نهر السياسة الدولية والاقليمية مياه كثيرة استدعت صياغة رؤية استراتيجية جديدة للتنين الصيني تجاه قضايا المنطقة والعالم، ففي أقل من عشر سنوات اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية واجتاح العالم فيروس كورونا وقامت " اسرائيل" بحرب الابادة ضد قطاع غزة، ثم اشتعلت الحرب الأميركية الاسرائيلية ضد ايران، علاوة على أزمات المنطقة العربية والافريقية وامكانية تأثيرها على المصالح الصينية. والمعروف أن الصين هي الشريك الاقتصادي والتجاري الأكبر للمنطقة وللقارة الافريقية.


دلالة الزيارة سياسيا بعد 10 سنوات من الغياب، تعني أن الصين، القوة الاقتصادية الكبرى في العالم- ثاني أكبر اقتصاد بخطوات قليلة- ربما يكون لديها رؤية استراتيجية جديدة في صياغة علاقاتها بالمنطقة وبقضاياها. 


فالصين لا تتحرك تجاه منطقة أو دولة ما الا اذا كانت هناك استراتيجيات تسعى الى تبنيها واعادة بناء رؤية جديدة. فماذا لوكانت الزيارة الى مصر..؟


منذ عام 2014  ومع الزيارة الأولي للرئيس عبد الفتاح السيسي الى الصين في ديسمبر من العام ذاته، وبكين تردك أن هناك ادارة جديدة للسياسة الخارجية المصرية في علاقتها الدولية ترتكز على التوازن الاستراتيجي مع عواصم العالم ولاسيما العواصم الكبرى في واشنطن وموسكو وبكين ولندن وباريس بما يتوافق والمصالح الوطنية المصرية واستنادا على مبدأ المصالح المشتركة وبعيدا عن سياسات " الوصاية" الدولية و" التبعية السياسية".


زيارات الرئيس السيسي تعددت الى الصين وآسيا عموما وروسيا وأوروبا وواشنطن ووقعت مصر شراكات استراتيجية مع هذه العواصم وآخرها الارتقاء بالعلاقات مع أوروبا الى مستوى العلاقة الاستراتيجية في العام الماضي. الرسالة كانت واضحة، بأن القاهرة تسعى الى تنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية بما يتماشى ومصالحها الاستراتيجية وبما يدعم خططها التنموية ونهضتها الاقتصادية.


زيارة رئيس ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم الى مصر يؤكد على المكانة المحورية للقاهرة في السياسة الصينية تجاه العالمين العربي والأفريقي، ودورها الاستراتيجي في دعم الأمن الإقليمي وربط مبادرة الحزام والطريق بقناة السويس والأسواق الأفريقية والأوروبية، وتعزيز الحوار والتعاون بين الحضارات والدول النامية. وأن مصر التي خطت خطوات واسعة في بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية وبنيتها التحتية هي القاعدة والبوابة الذهبية للصادرات الصينية الى دول المنطقة والقارة الافريقية. وخاصة أن الزيارة تتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين في 30 يونيو عام 1956. وطوال تلك الفترة تعمقت العلاقة  و تميزت بالاستقرار والثقة واتسمت بالاحترام المتبادل. فهي علاقة تتكأ بقوة على ميراث مهول من التواصل والتلاقي الحضاري بين أقدم حضارتين في العالم، الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية. وبالتأكيد فطبيعة العلاقات بين الدول ذات الحضارات العريقة والقديمة، هي طبيعة مختلفة ترسخ مفاهيم سامية بعيدا عن لغة القوة والسيطرة والنفوذ والتهديد والحروب. مفاهيم ولغة تسعى الى نشر ثقافة السلام والاستقرار والتواصل بين البشر في الغرب والشرق.


من هنا يمكن فهم وتفسير مظاهر الاستقبال الرسمي الحافل الذي حظي به الرئيس شي جين بينغ في مصر من المصري عبد الفتاح السيسي وما تحمله من دلالة سياسية واضحة على عمق العلاقات ومتانتها، وعلاقة الصداقة القوية بين الرئيسين و الثقة المتبادلة بينهما. فالعلاقات المصرية الصينية تشهد مرحلة تاريخية جديدة وتنتقل اقتصادية الى آفاق جديدة من التجارة والاستثمار الى نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة والاستفادة من الخبرات الصينية و التجربة الملهمة لبكين بما يمهد للتعاون مي مجالات اقتصاد المستقبل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء وصناعة السيارات الكهربائية والاقتصاد الأخضر والطاقة الجديدة.


الصين أصبحت شريكا اقتصاديا مهما للغاية لمصر في الجمهورية الجديدة والمسيرة التنموية المصرية، فقد تطورت العلاقات التجارية بين القاهرة وبكين من 11 مليار دولار عام 2014 الى ما يقارب 21 مليار دولار في نهاية العام الماضي. كما تقدر الاستثمارات الصينية الحالية في مصر بحوالي 10 مليارات دولار مع توقعات بزيادتها الى 14 مليار دولار نهاية العام الجاري في مجالات البنية التحتية والصناعة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والنقل والموانئ، إلى جانب المشاركة في مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة. وتعتبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجا عمليا للتكامل بين "رؤية مصر 2030" ومبادرة «الحزام والطريق» التي تتبناها الصين، بفضل الموقع الاستراتيجي لمصر الذي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، ويوفر قاعدة إنتاج وتصدير واعدة للشركات الصينية، ويسهم في توطين الصناعات الحديثة، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وتعزيز اندماج مصر في سلاسل القيمة العالمية.مع الأخذ في الحسبان التوسع في استخدام العملتين الوطنيتين في المبادلات التجارية. فالمبادرة  والرؤية توفران إطارا لتكامل أولويات التنمية بين البلدين.


نأتي للمستوى السياسي في العلاقات بين القاهرة وبكين، فالصين بالنسبة إلى القاهرة شريكا يمكن أن يدعم مواقفها في عدد من الملفات الدولية، خصوصا أن بكين عضو دائم في مجلس الأمن وتعلن دعمها للقضية الفلسطينية، ومصر يمكنها  أن تستفيد من العلاقات الصينية في القضايا الإقليمية، فالبلدين يتشاركان مواقف تدعم السلام والاستقرار واحترام سيادة الدول والتعددية وتعزيز التنمية.والموقف الصيني المؤيد للحقوق المصرية في اتفاقيات نهر النيل
وبكين تنظر إلى مصر باعتبارها طرفا رئيسيا في جهود إحلال السلام بالمنطقة، خصوصا في ضوء الدور المصري في محاولة وقف الحرب في غزة، كما يمكن للقاهرة أن تؤدي دورا في تخفيف التوترات بين إيران وواشنطن اعتمادا على علاقاتها مع الجانبين.


الرؤى السياسية بين القاهرة وبكين تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية، ودعم سيادة الدول وخياراتها التنموية، والدفاع عن التعددية والعمل المشترك من أجل إقامة نظام عالمي أكثر عدلًا وتوازنًا واستقرارًا.


ويبقى السؤال الحاضر دائما في الأذهان..
هل يعني التقارب المصري الصيني ابتعاد القاهرة عن واشنطن..؟
بالتأكيد الإدارة الاستراتيجية للعلاقات الخارجية المصرية في السنوات الأخيرة تتبنى رؤية التوازن والتنوع في علاقاتها بالعالم الخارجي وبخاصة الدول الكبرى، سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
ولا تعني العلاقات الاستراتيجية بين مصر والصين بديلا عن العلاقة مع واشنطن أو أوروبا، فمصر لديها علاقات شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي، رغم الاختلافات حول عدد من الملفات الإقليمية.


لكن القاهرة تسعى إلى موازنة علاقاتها بين بكين وواشنطن بعيدا عن سياسات الوصاية، وعدم الاعتماد على مورد واحد في أي مجال، وتوظيف المنافسة الدولية للحصول على التكنولوجيا والاستثمار والدعم السياسي.والاستفادة من التوان والتنوع في العلاقات للحصول على أكبر مكاسب ممكنة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة