تهاوت مُعادلة الردع، وما رُمِّمَت أو بُنِىَ بديل عنها.. احترقت أوراق القوة، وبانت نقاط الضعف، ولم تتبقّ إلا لعنة الوقت، تُحكِمُ قبضتها على خناقَىْ الطرفين، وتتحَكّمُ فيهما، من حيث يتوهّمان العكس.
كلاهما واثقٌ فى نفسه بإفراطٍ، يستهين بالآخر بتفريطٍ وبلا حكمةٍ أو بيّنة. يُضيّع الأيام على رهانات مُرجَأة، كأنه يأمَنُ تقلّبات الساعات، أو أخذ عهدًا على عقاربها الماكرة!
فلسفتان مُختلفتان تمامًا، ونتيجة مُتطابقة: يُرخى القوىّ حبل الزمن لأنه مغرور بقوّته، ومُقتنع بقدرته على الاستدراك متى شاء.
بينما الضعيفُ علّمته الذاكرةُ وحرفةُ نَسج السجاد، أنَّ بعض الجغرافيا أطول عمرًا من بعضٍ، وأشدّ ثباتًا فى التاريخ، وأن للصبر سعرًا، وكلما طال تضاعفت القيمة وزاد الربح.
على أن الحسبة تبدّلت الآن، وانحرفت الدراما عن مسارها المُعتاد. يُقدِمُ أحدهما فيُحجِمُ الآخر، والعكس بالعكس. يضغط على العدوّ قصدًا فى ساحةٍ، ثم يُوسّع له عَرَضًا فى سواها، فلا يخسر ولا يحسم!
شنّت الولايات المتحدة حربها الأخيرة على إيران بلا مُبرّر أو ضرورة قاهرة، وكانت متأخّرةً خمسة عقود، أو خمس سنوات على أقل تقدير.
لها ثأرٌ من زمن الخمينى مع رهائن بعثتها الدبلوماسية فى طهران، ثم قتلى السفارة ومقر المارينز فى بيروت، وحرب الناقلات وما بعدها من مناوشات إلى تمزيق الاتفاق النووى وقتل سليمانى قبل أكثر من ستّ سنوات.
وسلوكها اليوم، كأنه قصاصٌ من الذات عن إهدار الفُرص، أو تصويب لخطاياها القديمة بأثرٍ رجعىّ. والحروب إذا تأخّرت تكرّرت، خاصّة إن استُنسِخت الأخطاءُ نفسُها كما يجرى الآن!
كان بإمكان واشنطن أن تكسر الجمهورية الإسلامية فى بدايتها، أو أن تقلم أظفارها بدلا من دعمها ضد العراق فى حربهما الطويلة.
وفى الحدِّ الأدنى، ألَّا تهديها بغداد على طبقٍ من فضّة، وتُوسِّع لها فى لبنان وسوريا، وتسترخى فى خليج عدن وباب المندب بينما تقضمُ اليمنَ بالأصالة والوكلاء!
ليس أسوأ من الضعف والانكشاف، إلا أن تكون وافر البأس والعافية، لدرجة أن يعطلك الشعور بالعظمة عن التبصر والجاهزية والأخذ بالأسباب.
أسدٌ يغفو باطمئنانٍ على أطراف الغابة، ليصحو وقد وضعت الضباعُ والفئرانُ الأغلالَ فى قوائمه، أو زرعت حواليه قفصًا من فولاذ!
الوقتُ عُقدة واشنطن دائمًا. ووصف «تشرشل» لها بأنها تذهب للخيار الصائب، بعدما تُجرّب كل الاحتمالات الخاطئة، إنما يختزلُ ببلاغةٍ تلك العلاقة المُلتبسة مع الزمن.
يُدرك ترامب مدى الرهان لدى الملالى، وقد ردّ عليهم صراحةً بأنه باقٍ لنحو سنتين ونصف، وليس على قائمة المُرشّحين للانتخابات النصفية.
والخلل لدى السلطة الإيرانية، ينبع من افتراض أن خسارة الكونجرس، أو أحد مجلسيه، ستُحوّل سيد البيت الأبيض إلى بطّة عرجاء مُبكّرًا، أو تُقلّص هامش حركته فى إدارة الصراع معها.
والواقع، أن سهم الرئيس فى السياسة الخارجية أكبر، وقدرته على المُناورة والإفلات من كمائن المُشرّعين ليست أقل: بين الأوامر التنفيذية، وصلاحيات شنّ عمليات عسكرية مؤقتة، وصولاً إلى الفيتو على القرارات والقوانين.
وعليه، فما يُعَوّل عليه أن فى يكون نعمةً لصقور طهران، قد ينقلبُ نقمة عليهم. إذا ربح الجمهوريون، سيعتبر قائدُهم النتيجةَ بمثابة تفويضٍ فى التصعيد، وإذا خسروا سيثأرُ حتمًا مِمّن تسبّبوا له فى الهزيمة!
وإلى ذلك، فالأعباء ثقيلة والتكاليف باهظة. وما عاد بمقدور الاقتصاد الهشّ أن يحتمل المزيد، لا سيما بعدما خذله السلاح، وفشل فى محاولاته لإعادة تسعير المخاطر، وتوسيع حزام المُتضرّرين فى الجوار وعلى امتداد العالم.
انعكست الآية أخيرا، فعاد المُكابرون من منتصف الطريق، وطرحوا مقترحًا يبدأ بالتهدئة وفك الحصار، ليُفتَح مضيق هُرمز فى غضون أسبوع، ثم تبدأ المفاوضات النووية.
رفض دونالد، لأن المجرى تحت ولايتهم الآن، هكذا يقول، وقوّاته تحمى العابرين وتُؤمّن تدفقات الطاقة. لكن أهم ما تفوّه به أن خصومه يعرضون ما كان يصلح منذ سنة، لكن الوقت تجاوزه الآن!
الإفادة هنا، أن الزمن لم يعُد ميزةً لدى مُحترفى التلاعب بورقته، وأنهم يُقدّمون واقع الخسارة القريبة على حلم المكسب البعيد، لعدم ثقةٍ فى المُؤجَّل، أو لافتقاد طاقة الوصول إليه أصلا.
لم تتغيّر العقلية قطعًا، إنما للضرورة أحكام. لا سيما أن فروق الأوزان واضحة، والموازين مُختلّة بعُمق، وبين المُتاح والمرجوّ طريق طويلة شاقة، قد يموت خلالها النسّاج قبل أن يُكمل سجّادته، أو يحترق الدكان وتنفَضّ السوق.
الواقع، أن هُرمز ليس فى قبضة هذا ولا ذاك، ما يجعله صالحًا للمناوشات المُتقطّعة، من دون قدرة على تغيير التوازنات الحاليّة تمامًا.
يُلوّح ترامب بالسحق ويتفاوض، ويجدّ حمائم الإدارة السياسية من بزشكيان ومُعاونيه فى البحث عن الحوار، لكنهم لا يتوقّفون عن النفخ فى الجمر.
هدد عسكريّون من الحرس بأنه إما تُحلّق طائراتهم أو لا يطير أحد. نُفِى الكلام لاحقًا من طبقة الدبلوماسية، لكن قاليباف كان يُهدّد بالتزامن بأنه إمّا تُصدّر إيران نفطها، أو لن يخرج برميل من المنطقة.
البراميل تخرج فعلاً، والأجنحة الإيرانية تكسّرت، والإدارة الأمريكية خائفة من أثر التوتر على الانتخابات، وإن أنكرت.
الصراع لم يعُد على الملاحة أو القنبلة، بل على الوجود: بمعنى الحضور للقوات الأمريكية فى المنطقة، والبقاء من أساسه لنظام الملالى فى طهران.
والأخيرة تسعى بكل السُبل لاستنقاذ نفسها، ليس على معنى إطفاء الحرب وترميم الجراح، إنما أن تحتفظ بمكتسبات الماضى، أو أكبر قدر منها، وأهمها أن تظلّ بُعبع المنطقة، وحكومة الحكومات الهشّة فيها.
ومن جديد تتجلّى محنة الفصام الزمنى لدى الأمريكيين. حزم التحالف الدولى حقائبه وغادر العراق اليوم، بموجب اتفاق، ليُفسح للفُرس مجالاً للهيمنة بأكبر مِمّا تحوز بالفعل.
وليس القصدُ أن يبقى الاحتلال، ولا أن يتأخر الاحتفال بالسيادة، إنما أن واشنطن تفعلها بالخطأ مُجدّدًا. إغراء العراق بالكويت، ثم حصاره وإضعافه، فالغزو وإسقاط النظام، وتركه مرتعا لحرس الثورة وميليشياته الرديفة.
ما منحت إيران أملاً يُقلّل حاجتها للتغوّل على جارتها العربية المأزومة، ولا كسرتها وقوّضت انفلات عصابتها الحاكمة، لتمنعها من التقدّم لابتلاع بلاد الرافدين، وتعويض نزيفها من شرايين الآخرين.
أبقتها فوق حدّ الاختناق بما يسمح لها بالتملّص، ودون هامش النجاة والتعافى ذاتيًّا، بما يُحفّزها حتمًا لتواصل التعدّى على الجيران.
تخرج واشنطن من خطأ إلى التالى، ولا تعترف أو تتعلّم، ويغريها أنها تحتمل التداعيات، وتُجيد التحرّر منها وتحميلها للحُلفاء، مثلما تُحمّلها جمهورية الولى الفقيه للأبرياء أيضًا.
عدوّان يتمايزان فى كل شىء إلا الغباء. يتناحران على مذبح الوقت، ويذهبان اضطرارًا إلى الخيارات نفسها بعدما يتجاوزها القطار.
مُطاردةٌ لنصرٍ لا يجىء، ومُكايدةٌ تقود من سيّئ إلى أسوأ، وهزيمةٌ تكبرُ بين طرفَى حرب، لن تنطفئ إلّا لتندلع من جديد، طالما لم يفرض أحدهما سرديّته على الآخر!