محمود عبد الراضى

العنف الصامت

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026 10:05 ص


في زحمة الحياة المادية ومظاهرها البراقة، نعتاد قياس الإيذاء بما نراه رأي العين؛ بطعنة جسد، أو بكلمة جائرة تُقال على رؤوس الأشهاد.

غير أن هناك نوعاً آخر أكثر قسوة وأعمق أثراً، يخوضه الإنسان دون أن يريق قطرة دم واحدة، إنه "العنف الصامت".. ذلك الإيذاء الخفي الذي ينبت في العتمة، ويقتات على ما تخفي الصدور.

تتعدد وجوه هذا العنف وتتنوع قناعته؛ من غلٍّ يُكتَم، وخيانة تُدبَّر في الخفاء، و"شغل من تحت لتحت" يربك السكينة، وحقدٍ يلتهم صاحبه قبل أن يطال غريمه.

هي أوجاع لا تترك أثراً على الأجساد، لكنها تترك ندوباً غائرة في الأرواح، ونغفل كثيراً عن أن الميزان الإلهي لا يزن الظواهر وحدها، بل ينفذ إلى الخبايا التي ظننا أنها طُمست ولن تطالها المساءلة.

لقد أشفق الصحابة الكرام وعظُم خوفهم حين نزلت الآية الكريمة: (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)؛ لأنهم أدركوا ببصيرتهم أن مكامن النفوس هي أصل البلاء أو سر الشفاء، فالقلب ليس مجرد مضخة للحياة، بل هو مستودع النوايا ومحرك السرائر.

إن فداحة هذا العنف الصامت تكمن في أنه جرح بلا صوت، وجريمة بلا مسرح أثري، لكن العدل الإلهي مطلع لا يفوته مثقال ذرة.

وفي الوقت الذي قد يقف فيه المرء بأعمال كالجبال، يُفاجأ بها هباء منثوراً بسبب سوء الظن وفساد السريرة، نجد في المقابل أرواحاً بسيطة تُفتح لها أبواب النجاة لمجرد أن أصحابها عبروا الحياة بقلوب بيضاء، لا تحمل غلاً ولا تضمر شراً.

تكمن طوق النجاة الحقيقي في قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)، فسلامة الصدور ليست ضعفاً أو استكانة، بل هي أعلى درجات القوة والشجاعة الإنسانية؛ أن تطهر داخلك من أدران الغل، لتنعم بالسكينة في الدنيا، ولتجد أمانك يوم تُبلى السرائر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة