الدول التي تمتلك جبهة داخلية قوية هي وحدها القادرة على البقاء والوجود وسط هذا العالم الذي يتشكل من جديد، بل إن الأمن الفكري للدولة يعد أحد أهم مرتكزات الأمن القومي وهذا عبر بناء وعي جمعي متماسك قادر على مواجهة كافة التحديات، ومن هذا المنطلق يقود السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي معركة وعي شاملة ممتدة منذ توليه المسؤولية، كانت وستظل هي مفتاح النصر في معركة البقاء والوجود.
حديث القيادة السياسية المصرية مؤخرًا خلال اجتماع حاشد بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدةضم مجلسي الوزراء والمحافظين بكامل هيئتهما، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة، ومجموعة من العمد والمشايخ، علاوة على عدد من الخبراء والمتخصصين، ركز خلاله السيد الرئيس على تدعيم وتقوية الجبهة الداخلية عبر إعادة طرح مفاهيم الأمن الفكري بشكل مباشر، وتوضيح مبسط لأهداف حروب الجيلين الرابع والخامس والتي تستهدف الجبهات الداخلية للدول لإحداث الانهيار من الداخل بعيدًا عن تكلفة الحرب المباشرة التي باتت مكلفة ونتائجها غير مضمونة، ولهذا استحضر السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال كلمته أحداث عام 2011 كونها شرارة انطلاق تلك المعارك التي استهدفت إفشال الدول من الداخل، ولعل المشهد الإقليمي الراهن لهو شاهد على الدول التي استجابت لرياح الفوضى وباتت غير قادرة على الصمود أمام مختلف التحديات الإقليمية الراهنة،
لهذا كانت إشارة السيد الرئيس أن التحدي الأكبر بعد عام 2013 تمثل في الحفاظ على بقاء الدولة ومؤسساتها دليلًا قاطعًا على أن الصمود أمام مخططات تفكيك وإفشال الدولة هو المعركة الأهم، والتي جسد خلالها وعي الشعب المصري العنصر الأساسي لتحقيق النصر وضمان بقاء ووجود الدولة المصرية، ولكن بالتأكيد هذا لا يعني التراخي أو استشعار أن معركة الوعي قد انتهت، بل بالعكس فهي الآن في ذروتها، حيث يشكل استغلال المتغيرات الإقليمية والدولية وتداعياتها على الداخل المصري أحد أهم وأبرز أسلحة الإعلام المعادي، الذي يستخدم منصات إعلامية ومواقع تواصل اجتماعي لتمرير أكاذيب وشائعات تستهدف تغييب الوعي العام عن واقع الأزمة وحقيقة التحدي، ما يولد الإحباط واليأس، وبالتبعية التوقف عن العمل والبناء مما يؤدي إلى الهدم والخراب، ولهذا تضمن حديث السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي صياغة للمهددات والمخاطر التي تحيط بالأمن الفكري المصري وسبل التصدي لها، ويمكن رصدها كالآتي:
- إفشل الدول من الداخل :
تضمن حديث السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحذيرًا من فكرة إفشال الدولة من الداخل في عدة مواضع خلال الكلمة، لما تشكله هذه الفكرة من مهدد أساسي ومحوري ضمن معركة الوعي، حيث قال: " أقل الوسائل تكلفة لتدمير أي دولة هو محاولة استدراج شعبها للقيام بتلك المهمة" ولعل هذا التصريح يجمل ويلخص المفهوم الأخطر الناتج عن استهداف الأمن الفكري للشعوب، حيث يتحقق هذا الهدف عبر نشر الإحباط واليأس وتحفيز المواطن على التخاذل والهدم بدلاً من العمل والبناء.
- الانتحارالقومي:
هو الهدف الثاني الذي يتحقق بالتوازي مع إفشال الدولة من الداخل، ولهذا أشار السيد الرئيس في كلمته قائلاً " الحروب تهدف إلى نشر الإحباط واليأس ووقف البناء واغتيال المسؤولين معنويًا وتنفير الآخرين من الانضمام للحكومة " بل إن السيد الرئيس هنا أشار لمصطلح الانتحار القومي بشكل غير مباشر كأحد أهداف النيل من الوعي الجمعي المصري حينما قال " أقل تكلفة لتدمير دولة، هي أن يقوم شعبها بتنفيذ المهمة، لكن قوات وجيش وطائرات وصواريخ لها حسابات كتير ومعقدة ومش سهل تنفيذها، إنما الناس غضبت وقامت واتحركت هنعملهم إيه؟ واحد بينتحر أعمله إيه؟ دولة بتنتحر أعملها إيه؟ هيبعتوا لك شوية مساعدات؟ "
وهذا بالتحديد ما يتحقق عندما يحدث الانتحار القومي للدول، ولعل هذه ليست المرة الأولى التي يحذر فيها السيد الرئيس من هذا الخطر، بل تم استحضار هذا المفهوم بشكل صريح عام 2018 في أحد أحاديث القيادة السياسية وحينها كانت الأحداث الإقليمية معقدة ولكن لم تكن بهذه الوتيرة المتسارعة، ما يؤكد أن النظرة الاستشرافية المتعلقة بهذا الخطر حاضرة في العقل المصري بشكل مبكر استنادًا إلى درس عام 2011.
- الجبهة الداخلية:
تعزيز الأمن الفكري وتحصين الوعي الجمعي المصري هو الهدف الأساسي والرئيسي للقيادة السياسية التي طالما راهنت على وعي الأمة في مختلف التحديات والظروف، وهو ما شكل جبهة داخلية قوية ترتكز عليها الدولة المصرية في هذا التوقيت، بل ان ثقة السيد الرئيس في الوعي المصري تبلورت حينما قال "وعي المصريين هو حائط الصد الحقيقي لكل التحديات " ولكن مع وجود تلك الثقة تكرر القيادة السياسية إرسال رسالة هامة لكافة مؤسسات الدولة ظهرت حينما شدد السيد الرئيس على أهمية ضمان تأمين الجبهة الداخلية، خاصة مع تعدد محاولات الإضرار بالدولة المصرية والإلحاح في ذلك.
صناعة الوعي وصون الجبهةالداخلية
تدعيم وتغذية الوعي العام ضرورة حتمية توجه دومًا القيادة السياسية نحو تنفيذها، وتصريحات الرئيس حول صناعة الوعي تؤكد أهمية تطوير مؤسسات الدولة لأدواتها بشكل مستمر ومبتكر بما يتواكب والمخاطر المستجدة والأدوات المستحدثة التي تستهدف الوعي الجمعي المصري، ولهذا قال السيد الرئيس " إن الأدوات التي تُستخدم لمحاولة الإضرار بمصر عديدة ومتنوعة، وتتم بعضها باستخدام مواقع التواصل الاجتماع " كما شدد السيد الرئيس على ضرورة قيام الدولة بتطوير أدواتها المختلفة للحفاظ على مقدرات الدولة، وأضاف في هذا السياق أيضًا قوة الدولة المصرية بمؤسساتها ووعي شعبها، مشيراً إلى ضرورة أن يتسم أداء المسؤولين بالمزيد من الثقة، حيث إن الحفاظ على مصر مسؤولية جماعية، وأنه يجب العمل على تماسك الجبهة الداخلية مما يتطلب تضافر جهود كافة المؤسسات والمواطنين بل إن تشديد السيد الرئيس على ضرورة التلاحم بين كافة المؤسسات لضمان تحقيق ذلك جاء عبر الإشارة لدور المؤسسات الدينية والمدرسة كركائز أساسية لتحقيق هذا الهدف، بجانب ما تقدمه الأكاديمية العسكرية المصرية من دورات تدريبية للعاملين الجدد في كل الوزارات لتحقيق وعي كامل وشامل حول أبعاد الأمن القومي المصري، وهي جميعها مسارات يشار لها كونها مرتكزات أساسية في صناعة جبهة داخلية قوية.
تظل كلمة السيد الرئيس كون " الدولة تريد الحفاظ على رفع الروح المعنوية للرأي العام والابتعاد عن الإحباط " هي العنصر الأساسي في صناعة جبهة داخلية تتمتع بمناعة قوية تتمسك بالأمل وتتعلق بالحلم وتسعى نحو العمل، فمصر بصدد معركة وعي، إثارة الإحباط او اليأس خلالها جريمة خيانة للوطن، وطالما كان سر من أسرار وعي الشعب المصري قدرته على بث الأمل في أصعب وأحلك الظروف، وها نحن الآن في أشد الحاجة لصناعة الأمل وإفشاء السرور وهدم أسوار الإحباط واليأس عبر العمل والمزيد من العمل.