عاد الغليان إلى فوّهة الخليج، وتصاعد البخار والدخان من مضيق هُرمز مُجدّدًا؛ إنما تحت سقفٍ أدنى كثيرًا مِمّا فات.
لا تسارعت الحرب ثانيةً، ولا النار استعرت لدرجة أن تشوى الوجوه؛ غير أن الحرارة تصّاعد لمستوى يُهدد بالانفجار، والمجال مُعبّأ بالنفط والبارود كعادة المنطقة.
تجدّدت المناوشات لأسباب شتّى؛ أعلاها الجمود الذى انزلق إليه الطرفان اضطرارًا، بدون أن يرتاحا له، ومع خشية عالية من استدامته. وأدناها التنازع على مُعدّلات الحركة، وحجم الأضرار التى يتسبّب فيها كلٌّ منهما للآخر.
تكشّفت الأسابيع الأخيرة عن ضغوط حقيقية على الناحيتين: الولايات المُتّحدة مقبلة على الانتخابات النصفية، واستشرفت مآل الخيارات العسكرية بعد نزيفٍ قاسٍ، ولا رغبة لديها فى مزيد من المُغامرة والاستنزاف.
أما إيران؛ فتتوجّع وتكابر، ولا موضع سليمًا فى جسدها المُثقل بالعِلل والطعنات. حتى أن جروحها القديمة استيقظت من جديد، وتفجّر الدم والقيح من كل خليّة حيّة، أو يتوهّم الملالى والجنرالات أن فيها حياةً.
وللضرورة أحكامها كما يُقال؛ فقرّرت واشنطن أن تُهدّئ اللعب نسبيًّا، مع التردد بحساب بين الترهيب والترغيب، والتحوّل عن الهجوم الكاسح، إلى نظرية «جز العشب» المُستلهمة من مُدوّنة الحرب الإسرائيلية.
ويُقصَد بها: العمليات المحدودة المُتقطّعة، وتقليم الأظفار على فترات، بحيث لا يموت العدو ولا تستفحل قواه؛ فيظلّ صالحا للاستخدام السياسى والدعائى، وعاجزًا عن تشكيل خطر حقيقى.
شملت الضربات أصولاً بحرية مدنية، ونقل موقع أكسيوس الأمريكى عن مصادر بالبيت الأبيض، أن الضربة تحت عنوان جديد أقرّه ترامب، يعتمد مبدأ «ناقلة مُقابل ناقلة»؛ ليستكمل اعتصار عَصَبِها الاقتصادى.
وضمن أخطر ما قيل مؤخّرًا؛ أن الهجمات استهدفت تجهيزات ومنصّات إطلاق للحرس الثورى، كانت بصدد التحضير لإطلاق صواريخ تحمل ألغامًا بحرية.
يُشير المعنى ظاهرًا لتطوّر المُهدّدات، وامتلاك حلول غير تقليدية. وضمنيًّا يُعبّر عن خنقٍ أمريكى يُقيّد حركة الإيرانيين فى المنطقة، ويمنع وصولهم المباشر بالمعدّات البحرية؛ هذا لو كانت متوافرة أصلاً.
عند تلك النطقة؛ نتوصل إلى عُقدة لم تكن فى الحسبان. فالمضيق أحد عطايا الجغرافيا لإيران، واستبدلت به الدفاعات المُتقدّمة عندما تساقطت الأذرع وتفسّخت «وحدة الساحات»، وفرحت لأنها امتلكت بإحكام قبضتها عليه، قنبلة نووية نظيفة وزهيدة التكلفة نظريا.
لكنها فى سبيل التضييق على غريمها الأمريكى، وحلفائه من خلفه، وإعادة تسعير المخاطر وإشراك العالم فى أعباء الحرب؛ تُمارس عملية خنقٍ ذاتى أقرب إلى الانتحار.
لكى يكون عملها ناجعًا؛ عليها أن تجوع وتظمأ مع الظامئين؛ أو البديل أن ترخى المشنقة فتلتقط أنفاسها، ويتنفس الآخرون أيضًا!
مأزق لها، وللخصوم أيضًا. فالوضع أشبه بشخص خارج على القانون، يحتجز رهينة ذات قيمة عالية، أو يمسك بزرّ التفجير لقنبلةٍ يُهدّد بها المُحيطين.
وإذ يطلبون منه أن يُسقط المفجّر ويُحرّر الأسير؛ فكأنهم يُجبرونه على تجرّع كأس السمّ قهرًا، وعلى غير رغبته.
إن استمر فى عناده فلن تبتعد فوّهات البنادق عن رأسه؛ وإن سلّم لهم بما يُريدون فسيتلقى الرصاصة بعدما يفقد ورقة قوّته، وما يفاوض عليه من الأساس!
ولا حلّ للمُعضلة إلا ببناء الثقة، والتدرّج صعودًا بمنطق الخطوة مقابل خطوة، وعلى أن يقتنع الاثنان أوّلاً بأنه لا سبيل إلى الحسم، ولا بديل عن التسوية.
ولا مسلك إلا أن يقتسما المغانم والمغارم معًا، بالعدل والاعتدال، وبعقولٍ باردة؛ ولو تأججت النفوس وأبَت ما تعدّه من قَبيل التعاون والتفريط!
معدلات العبور من هُرمز ما تزال ضئيلة قياسًا على ما قبل الحرب، ودون أرقام أغسطس. الثلاثاء عبرت أربع سفن، وكانت عشرًا يوم الاثنين، نزولاً من متوسط ثلاث عشرة سفينة فى الأيام العشرة الماضية.
غير أن السوق لم تمُت عطشًا للنفط بعد، ولا نضبت المخزونات رغم شهور الحرب والحصار. والمفاد بإيجاز؛ أن ما يُقال غير ما يُفعَل، بالقصد أو التغاضى، ولدى الطرفين رسائل فوق السطح، ومواءمات تحت الطاولة.
يصح القول، بقدرٍ من التبسيط طبعًا؛ إن ورقة هُرمز تضاءلت أهميتها نسبيًّا، بدليل احتواء التداعيات بأقل قدرٍ من الأضرار، وحركة الأسعار دون الذروة فى أبريل وأغلب فترات القتال، ولا يتوقف بحث الدول فى المنطقة خارجها عن بدائل، بالتحوّط والأنابيب والخزّانات البعيدة وغيرها.
تُمرّر القوات الأمريكية ناقلات وبواخر، مُعلنة وغير مُعلنة، بخلاف ما يُغلق منها أجهزة الاتصال ويعبر تحت ستار الخرس والعماء.
وكما لا يمكن لإيران أن تقطع تدفق الدم فى الشرايين تماما، مهما أفرطت فى التهديد والوعيد؛ فالمؤكد أن حصار الولايات المتحدة لا يُغلق المنافذ دون ثغرة واحدة، أو يحقق غايته بالعلامة الكاملة.
تُهزَم الجيوش النظامية ما لم تنتصر، ويكفى الميليشيات أن تبقى على قيد الحياة. يُفرط ترامب فى الحديث عن النصر وانهزام الأعداء للهروب من تلك الحقيقة، ويحتفل صقور طهران لأنهم ينظرون لأنفسهم فى المرآة من زاوية العصبة لا الدولة!
وإلى ذلك؛ فإذا تلاقى مُقاتلان على حياة واحدة، وفى يدِ أحدهما خنجر صدىء، ومع الآخر لغم أو قنبلة؛ فإمّا يموتان معًا، أو يعيش صاحب السلاح الأضعف؛ لأن الأقوى مُخيّر بين مَوتين: والاستخدام وعدمه سيان!
وبصيغة بديلة؛ فإن تساوت قوّة الاثنين، فلهما أن يرتضيا بالتعادُل ويتحرّرا من القفص معًا، أو يبحث الذكى فيهم عن سلاحٍ مُعين، أو يتفوق المُخادع بضربةٍ تحت الحزام!
والحق؛ أن إيران ضعُفت كثيرًا على كل المستويات. لم تعُد نسخة 2018 وما قبلها، عندما كانت أحسن حالا فى الاقتصاد والقوّة، وأقدر على احتمال العقوبات وردّع التحرُّش معنويًّا، قبل أن يتطور إلى عدوان مادى ثقيل.
تراجعت العُملة إلى مستويات مُزرية، والطوابير لا حدّ لها أمام محطات الوقود. السلع ناقصة، والتضخّم قياسى، والشارع يغلى، ولا يمنعه من الانفجار إلا الخوف، وسطوة الشعور القومى لدى البعض فى ظروف حربٍ وتخوين.
على أن الأمور قد تنقلب للضدِّ إن زادت عن حدّها. وعندما تتساوى الاحتمالات، ولا يكون لدى المرء ما يخسره؛ فقد يلجأ إلى التصعيد، وينتقى أسوأ الخيارات.
والهشاشة فى السياق العادى رادعة لصاحبها، ومانعة من الجرأة والتمادى. إنما يجب أن تُدار بحسابٍ، وأن تُرافقها الخشية.
إذ بقدر ما تُسَدّ الطرق على العدوّ، وتضيق نافذة الفرص المُتاحة أمامه؛ تعلو عاطفة التحدى لديه، لا سيما الأنظمة العقائدية، وتزداد رغبته فى التصعيد والمُقامرة، والانحياز إلى «خيار شمشون».
يُحاول ترامب أن يُروّض صقرًا جارحًا، ويُدجّنه؛ من غير أن يطعمه أو يمنحه شيئا فى المقابل. والصقر يسعى إلى افتراس ملك الغابة كلّها، مع فارق الحجم، ودون مُراعاة أنه مطعون فى كرامته.
حرفة الإيرانيين الوقت؛ غير أنه لم يعد يعمل لصالحهم. نزيفهم أكبر، وهامش احتمالهم أضيق. والرهان على الانتخابات النصفية أسوأ ما يُعرّضون به أنفسهم للخطر:
إمّا يربح الجمهوريون فتتضاعف الهجمة، أو يخسرون فيُحمّلونهم المسؤولية ويسعون للقصاص. ولن يعدم الرئيس الحلول فى الحالين، ولديه سلطة الحرب الوقتية، وجدار الفيتو الصلب.
فخ يتنافس الطرفان فى تعميقه، ولا يعرف أحدهما طريقًا للخروج منه. فإمّا يختارا التعاون الآن، أو تجبرهما الظروف عليه بعدما تتضاعف الخسائر، ويخنقهما الهُزال وانسداد الأفق.