"صنعوا من وجعهم قوة.. غزيون تحدوا الحرب" حين يصبح الدواء طريقا محفوفا بالمخاطر.. سحر العيسوي تحول وجعها إلى يد تمتد لإنقاذ المرضى.. تبحث عن الأطباء والإسعاف بين الركام لتمنح من أنهكهم المرض فرصة جديدة للحياة

الخميس، 03 سبتمبر 2026 03:00 م
"صنعوا من وجعهم قوة.. غزيون تحدوا الحرب" حين يصبح الدواء طريقا محفوفا بالمخاطر.. سحر العيسوي تحول وجعها إلى يد تمتد لإنقاذ المرضى.. تبحث عن الأطباء والإسعاف بين الركام لتمنح من أنهكهم المرض فرصة جديدة للحياة سحر العيسوى

كتب أحمد عرفة


<< سحر العيسوى: غزة راحت عن بكرة أبيها.. ودشنت مبادرات لتسهيل على الناس في وصول العلاج
<< وصلنا لمرحلة لا أماكن أستأجرها.. شربنا مياه المجاري وأعلاف
<< عملت على بناء شبكة من الأطباء داخل وخارج غزة لإنقاذ مرضى القطاع
<< ظللت ثلاثة شهور أعاني من نقص الفيتامينات والعلاجات ولم يكن لدي مضاد حيوي ولا أدوية
<< أعمل على إنقاذ أكبر عدد من المرضى غير قادرين على الذهاب للمستشفى
<< أقدم الخدمات وعناوين الأطباء وأرقامهم وأتواصل مع الإسعافات لتوصيلهم للمرضى
<< أوضح للمرضى الأماكن الخطرة كي لا يذهبون لها  وأشرح لهم الأماكن البديلة
<< عملت على تحويل الأشياء الصعبة التي نعيشها إلى شيء يساعدني ويساعد أسرتي
<< أطباء من داخل غزة وخارجها يتعاونون معي ويمدون يد العون للمرضى

 

لم يعد الوصول إلى الدواء في غزة أمرا عاديا، بالنسبة إلى كثير من المرضى، تحول الحصول على حبة دواء أو استشارة طبيب أو حتى معرفة عنوان مستشفى إلى رحلة محفوفة بالخطر، وفي هذا المشهد القاسي، وجدت سحر العيسوي، الناشطة الغزية المهتمة بالعمل الإنساني، نفسها أمام مهمة تتجاوز تقديم المساعدة إلى محاولة إبقاء خيط الرعاية الصحية قائما، في مكان انهارت فيه كثير من مقومات الحياة.

كانت تبدأ يومها بمحاولة معرفة من يحتاج إلى العلاج، ومن يستطيع الوصول إليه، وأين يوجد طبيب يمكنه استقبال مريض، وأي طريق ما زال آمنا نسبيا، تجمع أرقام الأطباء والصيدليات، تبحث عن الأدوية، تتواصل مع الإسعافات، وتحاول إيصال المرضى إلى الجهات الطبية التي يمكنها مساعدتهم.

تقول سحر في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"،: "حاولت أعمل مبادرات لتسهيل على الناس في وصول العلاج، أقدم الخدمات وعناوين الأطباء وأرقامهم، وأتواصل مع الإسعافات لتوصيلهم للمرضى".

سحر العيسوى
سحر العيسوى

 

لم تكن مهمتها مجرد توزيع أدوية، كانت تحاول بناء شبكة صغيرة من المساعدة وسط واقع لا يشبه أي نظام صحي طبيعي، أطباء من تخصصات مختلفة، داخل غزة وخارجها، ومرضى يحتاجون إلى استشارات أو تحاليل أو علاج، وصيدليات تبحث عن الأدوية، وعائلات لا تعرف إلى أين تتجه.

ومع الوقت، أصبحت مبادراتها الصحية واحدة من المساحات التي تحاول من خلالها أن تترك بصمة في حياة أهل غزة، حيث تقول: "شيء مؤثر على غزة، أساعد أهل غزة".

من معرض أزياء إلى طريق آخر
 

قبل أن تفرض الحرب كل هذا الخراب على تفاصيل حياتها، كانت لسحر حياة مختلفة، كان لديها معرض أزياء، وكانت تعمل معها نساء تصف بعضهن بأنهن من أعز صديقاتها، كانت هناك طلبيات من محامين ونقابات محلية، وعملاء وعاملات، ومساحة مهنية بنتها بجهدها، ثم انهار كل شيء.

"غزة راحت عن بكرة أبيها"، حيث تقول سحر، وهي تستعيد حجم الخسارة التي لم تطل مكانا واحدا فقط، بل طالت تفاصيل حياتها كلها.

 

ذهب المعرض، وذهبت معه مساحة العمل والعاملات والذكريات، وبينما كانت الخسارة الشخصية ثقيلة، لم يكن أمامها وقت طويل للبقاء عندها، فالمشهد المحيط كان يفرض أسئلة أكثر إلحاحا: ماذا عن المرضى؟ ماذا عن الذين لا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات؟ ماذا عن مرضى السرطان؟ وماذا عن الذين يحتاجون إلى تخصصات طبية غير متوفرة بسهولة؟ من هنا أخذ العمل الإنساني مساحة أكبر في حياتها.

حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية

 

وصلنا لمرحلة لا أماكن أستأجرها
 

لم يكن تأسيس المبادرات الصحية سهلا، حيث تشرح سحر العيسوى، موضحة أن الظروف دفعتها إلى البحث عن أماكن يمكن أن تُستخدم لتقديم الخدمات، لكن حتى هذا الأمر أصبح مشكلة بحد ذاته.

حجم الدمار في مختلف بلديات قطاع غزة بسبب الحرب
حجم الدمار في مختلف بلديات قطاع غزة بسبب الحرب

 

"وصلنا لمرحلة لا أماكن أستأجرها"، حيث، تقول، مشيرة إلى صعوبة العثور على أماكن مناسبة في ظل الدمار والتهجير والظروف الاقتصادية القاسية، فالاستغلال أصبح غير طبيعي، بينما تقلصت الموارد وازدادت الاحتياجات.

تابع حجم الدمار في بلديات غزة
تابع حجم الدمار في بلديات غزة

 

حتى الدواء لم يعد متاحا بالشكل الذي يحتاجه المرضى، كانت الكميات محدودة، وكان عليها التعامل مع واقع لا يكفي فيه ما هو متوفر أمام حجم الاحتياج، لذلك عملت مبادراتها على توزيع الأدوية على المرضى، ومن بينهم مرضى السرطان، ومحاولة توفير الأدوية بأسعار مخفضة وتوصيلها إلى من يحتاج إليها.

لم تكن ترى في الدواء مجرد عبوة يتم تسليمها إلى مريض، بل حلقة في سلسلة إنقاذ أطول تبدأ من معرفة احتياج المريض وتنتهي بوصول العلاج إليه.

شبكة أطباء في زمن انقطاع كل شيء
 

في غزة، لا يكفي أن تعرف اسم الطبيب، يجب أن تعرف أين يوجد وهل يستطيع استقبال المرضى وهل الطريق المؤدي إليه آمن وكيف يمكن للمريض الوصول إليه، وفي ظل غياب الإنترنت والكهرباء في مناطق كثيرة، تحولت الأرقام التي تحتفظ بها سحر إلى وسيلة مهمة للتواصل، من خلال إنشاء شبكة أطباء في زمن انقطاع كل شيء، كانت تنقل للناس أرقام المستشفيات، وتخبرهم بالأماكن الخطرة، وتحاول توجيههم إلى أماكن بديلة.

تقول: "أقول لهم أماكن خطرة، لا تذهبون لها، واذهبوا لأماكن بديلة"، وفي الوقت نفسه، كانت تتواصل مع الأطباء لتسهيل وصول المرضى إليهم.

وتشير إلى أنها استطاعت التواصل مع أطباء في تخصصات متعددة، من داخل غزة وخارجها، بحيث تضم شبكتها عشرات الأطباء في تخصصات مختلفة، بينها النساء والتوليد، إضافة إلى مبادرات في مجال طب الأسنان، كما شملت الجهود توفير أرقام الأدوية والصيدليات، وإتاحة تحاليل مجانية وعلاج مجاني في فترات مختلفة، إلى جانب محاولة تأمين الأدوية بأسعار مخفضة وتوصيلها إلى المرضى، مضيفة أن مبادراتها الصحية أصبحت في مقدمة ما تحاول القيام به، لأنها ترى أن المرضى الذين لا يستطيعون الوصول إلى المستشفى يحتاجون إلى من يصل إليهم، و"إنقاذ أكبر عدد من المرضى غير قادرين على الذهاب للمستشفى"، تلك كانت الفكرة التى تختصر جانبا أساسيا من عملها .

معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب
معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب

 

طفلة ولدت في خيمة
 

من أكثر القصص التي بقيت في ذاكرتها قصة امرأة خرجت مع طفلها باتجاه خان يونس، ثم عادت وهي على وشك الولادةـ لم تكن هناك غرفة ولادة مجهزة، ولا معدات طبية كما ينبغي، ولا الظروف التي تسمح بولادة طبيعية وآمنة، كانت الخيمة هي المكان المتاح.

تقول سحر إن التواصل جرى مع أطباء من أجل إنقاذها ومساعدتها على الولادة بأبسط الطرق، في ظل غياب المعدات والإمكانات، فتلك الواقعة بالنسبة إليها تختصر شيئا من طبيعة العمل الإنساني في غزة، ليس البحث عن الظروف المثالية، وإنما محاولة إنقاذ حياة بما هو متاح، مهما كان قليلا.

تقول: "لا يوجد معدات ولا شيء"، لكن في المقابل، كان هناك هاتف، وطبيب، وشخص يحاول الوصول إلى الطبيب، وأسرة تنتظر أن تمر اللحظة الأصعب بسلام، وحين يصبح الطريق إلى المستشفى خطرا، لم تكن المشكلة دائما في وجود الطبيب أو الدواء، أحيانا كانت المشكلة في الوصول.

مبادرة سحر العيسوى الطبية
مبادرة سحر العيسوى الطبية

 

وتوضح سحر العيسوى، أن الطائرات المسيرة كانت تستهدف من يسير في الشوارع، والأماكن التي غادرها أشخاص بحثا عن الأمان تعرضت للقصف، لافتة إلى أن المكان الذي خرجت منه تعرض للقصف من قبل الاحتلال.

في هذا الواقع، يصبح نقل المريض إلى المستشفى قرارا شديد الصعوبة، ولهذا كانت تحاول البحث عن بدائل، والتواصل مع الأطباء، وتحديد الأماكن التي يمكن للمرضى الذهاب إليها، بدلا من تركهم وحدهم أمام الخوف، حتى الأطباء أنفسهم لم يكونوا بعيدين عن الخطر، بحسب شهادتها، إذ كانوا مهددين بالاغتيال والاعتقال، ومع ذلك، استمرت محاولات التواصل.

مرضى السرطان.. احتياج لا ينتظر
 

وسط الحرب، لا تتوقف الأمراض المزمنة عن العمل، فمريض السرطان لا يستطيع ببساطة أن ينتظر انتهاء الحرب، ومن يحتاج إلى دواء مستمر لا يمكنه تعليق علاجه إلى أجل غير معلوم، لهذا كان مرضى السرطان ضمن الفئات التي اهتمت سحر بإيصال الأدوية إليها.

واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب

 

وتقول إن توزيع الأدوية كان يتم بكميات محدودة وفق المتاح، في وقت أصبح فيه توفير الدواء نفسه تحديا، وفي بعض المبادرات، كان الهدف الوصول إلى المرضى الأكثر احتياجا، وتخفيف تكلفة العلاج عنهم، ومحاولة توصيل الأدوية إلى أماكن وجودهم بدلا من مطالبتهم بخوض رحلة محفوفة بالمخاطر للحصول عليها.

شربنا مياه المجاري وأعلاف
 

الجانب الصحي من الأزمة لم يكن متعلقا بالأدوية وحدها، حيث تتحدث سحر عن ظروف معيشية قاسية عاشها المدنيون، وانعدام مقومات الحياة الأساسية، إلى درجة اضطرار الناس إلى شرب مياه ملوثة واستخدام الأعلاف في ظل شح الغذاء.

وتصف انتشار القوارض والحشرات، حيث تقول إن الظروف الصحية والبيئية جعلت الحياة أكثر قسوة، ثم تتوقف عند مشاهد لا تنساها، حيث أفراد فقدوا عائلاتهم، وجثث لم تجد من يدفنها، وكلاب تتجمع حولها، مضيفة :" كلاب تآكل الجثث، شاهدت هذا بعيني".

ولا تروي هذه التفاصيل بحثا عن الصدمة، بقدر ما تحاول أن تشرح حجم المأساة التي تحيط بالعمل الذي تقوم به، فالمبادرات الصحية التي تحاول تنفيذها لا تعمل في بيئة طبيعية، إنها تعمل وسط موت ودمار ونزوح وخوف ونقص في أبسط مقومات الحياة.

الإحباط لم يكن غائبا
 

مع كل هذه الجهود، لم تكن سحر بعيدة عن الإحباط، حيث تقول إنها واجهت مشكلات عديدة، خاصة في توفير التخصصات والموارد والوصول إلى المرضى، لكنها اختارت أن تضرب عرض الحائط بالإحباطات، وأن تستمر، فبالنسبة إليها، كان هناك دائما مريض ينتظر دواء، وامرأة تحتاج إلى طبيب، وطفل يحتاج إلى رعاية، وأسرة تبحث عن عنوان مستشفى أو رقم طبيب.

وفي ظل غياب الكهرباء والإنترنت، أصبحت وسائل الاتصال البسيطة جزءا من أدوات العمل الإنساني، رقم هاتف يمكن أن يفتح بابا أمام مريض، وعنوان طبيب يمكن أن يوفر ساعات من البحث، ومعلومة عن طريق خطر قد تمنع أسرة من التوجه إلى مكان غير آمن، وتواصل مع الإسعاف قد يعني أن المريض سيصل أخيرا إلى من يستطيع علاجه.

الدعم يمتد خارج غزة
 

ومع اتساع مبادراتها، تقول سحر إنها أصبحت تتواصل أيضا مع أطباء ومسؤولين عن مستشفيات ومؤسسات داعمة من خارج غزة، ومن بينهم أطباء في مصر، حيث تذكر من بين من تتواصل معهم الدكتور عادل، الذي تصفه بأنه جراح كبير وجراح قلب، والدكتور أحمد شتيوي، الذي تشير إلى تخصصه في جراحة الفك والأسنان.

وتقول إن هناك مديرين ومسؤولي مستشفيات ومؤسسات في مصر يتواصلون معها ويبدون اهتماما بالمبادرات التي تعمل عليها لدعم غزة، فبالنسبة إليها، هذه الاتصالات ليست مجرد علاقات مهنية، وإنما محاولة لمد جسور بين المريض المحاصر داخل غزة والطبيب الذي يمكنه تقديم المساعدة من خارجها.

من فقدت معرضها.. لم تفقد رغبتها في المساعدة
 

ربما تكمن المفارقة الأكبر في حكاية سحر في أنها فقدت مشروعها الخاص، ومعه مكان عملها والعاملات اللواتي كن جزءا من حياتها، لكنها وجدت نفسها في مشروع آخر أكثر قسوة وأوسع مسؤولية، فالمعرض الذي كان يوما مكانا للأزياء والطلبيات والعمل، لم يعد موجودا، لكن مكانه في حياتها ملأته أرقام الأطباء، وقوائم الأدوية، وطلبات المرضى، واتصالات الإسعاف، وعناوين الصيدليات، ومحاولات تأمين التخصصات.

لم تعد تفكر فقط في كيفية استعادة ما فقدته، وإنما في كيفية مساعدة من فقدوا أكثر، حيث أشخاص فقدوا بيوتهم، وعائلات فقدت أفرادا منها، ومرضى فقدوا قدرتهم على الوصول إلى العلاج، وأطفال وُلدوا في الخيام في غياب أبسط التجهيزات، لهذا تقول سحر إن الخدمات التي تقدمها تحاول أن تصل إلى جميع الفئات.

هي لا تتحدث عن مبادرة واحدة بقدر ما تتحدث عن شبكة من المحاولات الصغيرة التي تتجمع لتصنع أثرا، دواء يصل إلى مريض، طبيب يجيب عن اتصال، تحليل يُجرى مجانا، علاج يُقدم، سيارة إسعاف تصل، أو أم تجد من يساعدها في لحظة ولادة مستحيلة.

في غزة، حيث انهارت أشياء كثيرة، أصبحت هذه التفاصيل الصغيرة ذات معنى كبير، وسحر، التي بدأت قصتها من معرض أزياء فقدته الحرب، وجدت نفسها في قلب حكاية أخرى، حكاية تحاول فيها أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، وتجعل من الهاتف وسيلة للوصول إلى طبيب، ومن الدواء فرصة للحياة، ومن كل مبادرة صغيرة محاولة لترك «بصمة» في مكان أنهكته الحرب.

ربما لا تستطيع أن تعيد المعرض، ولا العاملات، ولا الصديقات اللواتي فرقت الحرب بينهن، ولا أن تمحو المشاهد التي تقول إنها رأتها بعينيها، لكنها، وسط كل ذلك، ما زالت تكرر فعلا واحدا المساعدة وتحاول أن تفتح نافذة صغيرة للحياة، في مكان أغلقت الحرب فيه أبوابا كثيرة.

حين يصبح الصمود فعلا يوميا
 

من قلب غزة، حيث تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة طويلة مع الحرب والجوع والمرض والنزوح، حاولت سحر العيسوي أن تفعل ما تستطيع لمساعدة المرضى والمصابين، رغم أنها هي نفسها دفعت ثمنا قاسيا من صحتها خلال العدوان.

النزوح في غزة
النزوح في غزة

 

لم تكن قبل الحرب كما هي اليوم، حيث تؤكد أن صحتها كانت جيدة، وكان وزنها يقارب 92 كيلوجرامًا، وكانت تعيش حياتها بصورة طبيعية، قبل أن تتغير تفاصيلها بالكامل مع اندلاع الحرب وتداعياتها على الغذاء والعلاج والرعاية الصحية.

وتقول سحر: "الحرب لم تكن هكذا من قبل، نحن كنا نعيش تفاصيل مختلفة تماما، الحمد لله، كانت الصحة بخير والعافية موجودة، لكن العدوان جاء معه أمراض ومضاعفات وعمليات، وتعرضت أنا أيضا لإصابة في عيني".

لم تكن معاناتها مجرد خوف من القصف أو النزوح أو فقدان مقومات الحياة، بل امتدت إلى جسدها مباشرة، فقد خضعت لعملية جراحية في ظروف الحرب، ثم دخلت في رحلة طويلة مع نقص الفيتامينات والحاجة إلى الأدوية والعلاج، فيما كانت المنظومة الصحية في القطاع تعاني من نقص شديد في الإمكانات.

تتذكر سحر تلك الفترة قائلة إن حالتها تدهورت كثيرا، وأمضت نحو ثلاثة أشهر وهي تعاني من آثار العملية ونقص الفيتامينات والعلاجات اللازمة، كانت المشكلة الأكبر بالنسبة إليها هي عدم توفر الأدوية، حتى المضادات الحيوية التي قد تكون ضرورية بعد العمليات لم تكن متاحة بسهولة.

وتضيف: " ظللت ثلاثة شهور أعاني من نقص الفيتامينات والعلاجات، لم يكن لدي مضاد حيوي، ولا أدوية، ولا أي شيء، حتى الأطباء كانوا يخشون إجراء العملية، لأنهم كانوا يعرفون أنه إذا لم يتوافر المضاد الحيوي بعد العملية فقد يتفاقم الجرح، وقد تصل الأمور إلى مرحلة تهدد حياة الإنسان".

كان عليها أن تواجه المرض في وقت كان فيه المريض في غزة لا يبحث فقط عن الطبيب، وإنما عن الدواء، والمستشفى، والطاقة، والمستلزمات الطبية، وكلها أصبحت أشياء صعبة الوصول، ثم جاءت إصابة العين.

كانت سحر، مثل كثير من النساء في غزة، تحاول إعداد الطعام لعائلتها في ظل انعدام الغاز ووسائل الطهي الآمنة، حيث تقول إن ظروف الحرب أجبرتها على الطهي باستخدام الفحم وحرق البلاستيك، وفي إحدى المرات كان ابنها يكسر قطعة من البلاستيك، فانطلقت منها شظية كبيرة وأصابت فوق عينها مباشرة.

كانت الإصابة عميقة، والدم يغطي وجهها، ولم يكن في المستشفى سوى طبيب واحد تقريبا وموظفة، بعد أن نزح معظم الأطباء إلى جنوب القطاع، حيث تقول سحر، مضيفة أن الطبيب كان الوحيد الموجود في المستشفى في ذلك الوقت، وبمجرد أن رآها أدرك خطورة الإصابة، خاصة أن ملامح وجهها لم تكن واضحة من شدة النزيف، وفي ظروف لم يكن فيها التخدير متوافرا، اضطرت إلى تحمل خياطة الجرح من دون بنج.

تتوقف سحر عند هذه اللحظة لا لتروي ألمها فقط، وإنما لتؤكد أن ما عاشه الغزيون خلال الحرب كان أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، فالمرضى كانوا يتألمون، والأطباء يعملون في ظروف استثنائية، والمستشفيات تفتقر إلى أبسط الاحتياجات، ومع ذلك ظل هناك من يصر على البقاء إلى جانب الناس.

تعطل مستشفيات غزة

وأعلنت وزارة الصحة بغزة، خلال بيان لها في 17 أغسطس، أن  أزمة تعطل محطات توليد الأكسجين وتوقف معظمها عن العمل تهدد القطاع الصحي داخل القطاع في ظل منع إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة للصيانة.

وأضافت أن الأزمة تهدد القدرات التشغيلية المتبقية للمستشفيات وتضع حياة عشرات المرضى والأطفال في الأقسام الحساسة والمنقذة للحياة أمام خطر مباشر، موضحة أن هناك 72 وحدة عناية مركزة تواجه خطر التوقف وشلل الخدمات جراء النقص الحاد في إمدادات الأكسجين.

وأشارت إلى أن 54 وحدة للأطفال الخدج تواجه خطرا يهدد حياة حديثي الولادة داخل الحضانات بسبب صعوبة الحفاظ على مستويات الأكسجين، و 19 وحدة عناية للأطفال تعاني من تراجع القدرة على تقديم الرعاية التنفسية اللازمة للحالات الحادة والمزمنة.

 

وأوضحت الوزارة، أن غالبية محطات إنتاج الأكسجين أصبحت خارج الخدمة فيما تعمل المحطات المتبقية فوق طاقتها القصوى وتحت ظروف ميكانيكية معقدة، مطالبة بفتح عاجل ومباشر للمعابر لإدخال قطع الصيانة والمعدات الفنية ومنع وقوع كارثة صحية شاملة.

انهيار المنظومة الصحية في غزة
انهيار المنظومة الصحية في غزة

 

من المريضة إلى صاحبة المبادرة

ومن هنا، ربما بدأت سحر تنظر إلى معاناتها الشخصية باعتبارها جزءا من معاناة مجتمع بأكمله، فرغم كل ما مرت به، لم تنس المرضى والمصابين من حولها، بل تحولت تجربتها الشخصية مع نقص الدواء إلى دافع للمشاركة في مبادرة صحية تهدف إلى توفير الأدوية للمصابين والمرضى في غزة.

توجه سحر رسالة شكر وامتنان عامة إلى جميع الأطباء الذين وقفوا إلى جانب مرضى ومصابي غزة، سواء من داخل القطاع أو خارجه، مؤكدة أن ما قدموه من دعم للمبادرات الصحية يمثل نموذجا مشرفا للتضامن الإنساني والطبي.

ووجهت الشكر للأطباء في مصر، وعدد كبير من الأطباء الفلسطينيين، بالإضافة إلى أطباء من دول عربية وأجنبية، الذين حرصوا على دعم المبادرات الصحية والمساهمة بما يستطيعون لمساندة المرضى والمصابين في القطاع.

وترى سحر أن هذا الدعم لم يكن مجرد مساهمة في توفير الدواء، وإنما حمل رسالة إنسانية عميقة مفادها أن مرضى غزة لم يُتركوا وحدهم، وهناك أطباء من مختلف أنحاء العالم اختاروا الوقوف إلى جانبهم، رغم صعوبة الظروف التي يمر بها القطاع.

وتأمل سحر أن تكون رسالتها إلى هؤلاء الأطباء حافزا لهم للاستمرار في دعم المبادرات الصحية، وأن يشعروا بأن جهودهم لم تذهب سدى، بل أثمرت عن مساعدة مرضى ومصابين كانوا في أمسّ الحاجة إلى العلاج، وأن ما قدموه أصبح نموذجاً يستحق التقدير والاحتذاء.

وتقول سحر إن وقفة الأطباء معها ومع المبادرات الموجهة لمرضى غزة منحتها شعورا بأن العمل الإنساني يمكن أن يصنع فارقا حقيقيا، مؤكدة أن كل دواء يصل إلى مريض، وكل مساعدة تصل إلى محتاج، تمثل ثمرة حقيقية لهذا التضامن.

وتضيف أن تجربتها الشخصية جعلتها أكثر إحساسا بمن يطرقون الأبواب بحثا عن دواء قد ينقذ حياتهم، أو مريض يحتاج إلى عملية ولا يعرف إن كان العلاج متوافرا بعدها، ولذلك تحاول أن تحول تجربتها الصعبة إلى طاقة لمساعدة الآخرين، موضحة أن الأطباء الذين وقفوا إلى جانب غزة لم يقدموا دعما طبيا فقط، وإنما قدموا صورة ناصعة للإنسانية، ورسخوا معنى أن مهنة الطب تتجاوز الحدود والجغرافيا، وأن إنقاذ حياة إنسان يظل رسالة مشتركة لا تعرف جنسية ولا وطنا.

بالنسبة إليها، لم يكن هذا الدعم مجرد مساعدة في توفير الدواء، وإنما رسالة تقول إن غزة، رغم الحصار والحرب والنزوح، لم تُترك وحدها تماما، موضحة أن هؤلاء الأطباء اختاروا أن يقفوا إلى جانب المرضى والمصابين، ويقدموا ما يستطيعون من دعم، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى العلاج أكبر من قدرة القطاع الصحية على تلبيتها.

وتشعر سحر بأن تجربتها الشخصية مع المرض جعلتها أكثر فهما لمعاناة المرضى الذين يطرقون الأبواب بحثا عن دواء قد ينقذ حياتهم، فهي تعرف معنى أن تكون مريضا ولا تجد الدواء، كما تعرف معنى أن تحتاج إلى عملية ولا تعرف ما إذا كان العلاج متوافرا بعدها، وأن تخاف من مضاعفات المرض في وقت لا تستطيع فيه الوصول إلى أبسط المستلزمات، ولهذا تحاول أن تجعل من تجربتها طريقا لمساعدة الآخرين.

 

الإنسان لا يرفع يديه ويستسلم

وسط كل هذا الألم، ترفض سحر أن ترى نفسها بوصفها ضحية فقط، حيث تقول إن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأن الأمور تجاوزت الحد، لكن ذلك لا يعني أن يرفع يديه ويستسلم، مضيفة : عملت على تحويل الأشياء الصعبة التي نعيشها إلى شيء يساعدني ويساعد أسرتي، حتى لو كان بسيطا.

بالنسبة إلى سحر، المقاومة ليست دائما في صورة كبيرة أو مشهد استثنائي، أحيانا تكون المقاومة في زراعة نبتة، أو إعداد رغيف خبز، أو البحث عن طريقة لتوفير المال، أو محاولة تعليم الأبناء رغم انقطاع الكهرباء والإنترنت.

تحاول أن تتعلم الزراعة من خلال الدورات المتاحة عبر الإنترنت، حيث تقول إنها بدأت تتعلم كيف تعتني بالنباتات، وكم تحتاج كل نبتة من الوقت حتى تنمو، وكيف يمكن أن تحول الزراعة إلى وسيلة تساعد الأسرة في توفير بعض احتياجاتها، وفي ظل غياب الكثير من مقومات الحياة، أصبح التعلم نفسه تحديا.

أبناؤها الذين كانوا متفوقين دراسيا، وحصلوا على معدلات مرتفعة وصلت إلى 95%، وجدوا مستقبلهم الدراسي مهددا بسبب الحرب، حيث تؤكد سحر أن أبناءها كانوا يذهبون إلى جامعاتهم بحقائبهم، لكن تلك الحقائب نفسها تحولت لاحقا إلى حقائب للنزوح، مضيفة أن أحد أبنائها لم يداوم في الجامعة سوى شهرين.

ضحايا العملية التعليمية في غزة
ضحايا العملية التعليمية في غزة

 

لم يعد هناك انتظام في الدراسة، ولا أجهزة حاسوب محمولة، ولا إنترنت مستقر، ولا كهرباء تكفي للدراسة، وإذا أراد أحد الأبناء أن يدرس أو يتابع محاضرة أو يصل إلى شبكة الإنترنت، فقد يضطر إلى الذهاب إلى مكان بعيد، أو النوم لدى صديق، فقط حتى يتمكن من الوصول إلى الإنترنت.

تابع ضحايا العملية التعليمية في غزة
تابع ضحايا العملية التعليمية في غزة

 

وتضيف: "مستقبلهم ضاع، لا توجد أجهزة لابتوب، ولا دراسة منتظمة، ولا أمن على الإنترنت، ولا طاقة كهربائية، وإذا أراد أحدهم أن يدرس، يذهب إلى آخر الدنيا حتى يلحق الإنترنت، وربما ينام عند صاحبه".

مدارس مدمرة
ووفقا لإحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في 2 يوليو، فإن 100 % من مدارس القطاع لحقت بها أضرارا مادية نتيجة القصف والاستهداف المباشر وغير المباشر، و81 % من المباني المدرسية تحتاج إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي، و40% موجودة داخل الخط الأصفر، و80 % تعرضت لقصف مباشر، و17 مؤسسة تعليم عالي دمرها الاحتلال كليا أو جزئيا.

 

وأشارت الإحصائيات أيضا، إلى أن أكثر من 620 ألف طالب في سن التعليم المدرسي حرمهم الاحتلال من التعليم، وأكثر من 90 ألف في سن التعليم الجامعي لا يستطيعون استكمال تعليمهم، بالإضافة إلى استشهاد 830 معلما وكادرا تربويا، بجانب 194 عالما وأكاديميا وباحثا خلال الحرب.

انهيار المنظومة التعليمية في غزة بسبب الحرب
انهيار المنظومة التعليمية في غزة بسبب الحرب

 

ومع ذلك، تحاول سحر أن تبحث عن البدائل، إذا أُغلقت أبواب الجامعة، تحاول أن تفتح باب التعلم عبر الإنترنت، وإذا تعذر توفير الاحتياجات من الأسواق، تحاول أن تنتج بعض ما تحتاج إليه بنفسها، كذلك إذا أصبح شراء أبسط الأشياء مكلفا، تبحث عن طريقة أخرى لتوفيرها.

فرن من الطين في زمن الجوع
 

من أكثر التفاصيل التي تختصر قسوة الحياة التي عاشتها سحر وأسرتها خلال الحرب، قصة فرن الطين، حيث تقول إنها اضطرت إلى صنع فرن من الطين، بعدما لم يعد هناك غاز، ولم تعد هناك أماكن مناسبة تستطيع الأسرة الذهاب إليها لخبز الطعام.

لم يكن الخبز نفسه أمرا مضمونا، ففي فترات معينة، كانت الأسرة تكافح حتى للحصول على الدقيق، حيث توضح سحر العيسوى، أنهم وصلوا إلى ظروف قاسية اضطروا فيها إلى التعامل مع مواد لا تصلح من الأساس لغذاء البشر.

وتتذكر تلك الأيام بصوت مثقل بالألم، قائلة إنهم في بعض الظروف لم يجدوا ما يكفي من الدقيق، والحديث عن تلك التفاصيل لا يزال ثقيلا عليها، فكان عليها أن تفكر في كل وجبة، وكل قطعة خبز، وكيفية توزيعها على أفراد الأسرة.

وتضيف :" اضطررنا إلى الصيام أحيانا، نأكل نصف رغيف أو ربع رغيف، لكن الطفلة الصغيرة لا نستطيع أن نقول لها كلي ربع رغيف فقط، فكان نصيب الطفلة هو الأول، حتى عندما يكون الطعام قليلا، وحتى عندما لا يكفي الجميع، كانت الأسرة تحاول أن تعطي الصغيرة ما تحتاج إليه".

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة