من مهام مساعد المخرج الكثيرة، في كل مراحل الفيلم، أن يشرف على كافة عمليات ما بعد التصوير (post-production) وهي كثيرة ومتعددة، كان من بينها متابعة المعمل والتأكد من جودة التحميض، ثم نقل المادة الموجبة "البوزتيف" إلى عملية المونتاج المبدأي، التي تستبعد كل اللقطات التي تم تصويرها ولم يطلب المخرج طباعتها، كي يستلم المونتير فقط اللقطات التي وافق عليها المخرج لتكون جاهزة للعمل.
ثم الإعداد لعمليات "الدوبلاج" في المشاهد التي لم يسجل فيها الحوار بشكل جيد أو فشلت خلالها عملية التسجيل لأي سبب، ثم البحث عن المؤثرات اللازمة للمشاهد (خاصة المشاهد الخارجية)، إذا لم يكن قد أتيح بعد مكتبة ديجيتال تحوي كل أنواع المؤثرات بدءًا من ضوضاء الشارع (المختلفة حسب كل موقع) وليس انتهاءً بضربات قبضات اليد في (الخناقات).. مرورًا بما لا يمكن حصره، كان كل ذلك يتم بالتعاون مع المونتير أو مساعد المونتير قبل بدء العملية الإبداعية للمونتاج.
كان أحمد زكي يكره عملية الدوبلاج (وهي تسجيل صوت المشهد بعد تصويره)، حين تعرض اللقطة على الشاشة فيما يعرف بـ (اللقطة الدوارة) أو (الباند إنفيني) كي يتدرب الممثلون على ضبط عملية الكلام مع حركة الشفاه الظاهرة على الشاشة، بحيث تصل إلى درجة التزامن أو الـSynchron بدرجة مقبولة من المصداقية.
وبصرف النظر عن أن أفلامًا كاملة قد صنعت بطريقة الدوبلاج، فإن وجهة نظر أحمد زكي كانت جديرة بالتأمل، كان يقول إنه عاجز تمامًا عن تخيل أن الحوار (الذي هو نصف عملية الأداء) يمكن فصله عن جو المشهد أثناء التصوير، وكان يستدعي جملة تعلمها في معهد الفنون المسرحية عن (إهاب الشخصية) الذي يساعده على تقمصها مثل الملابس والأكسسوار، بالإضافة إلى الشخصية المقابلة له في المشهد وحركة الكاميرا والإضاءة الواقعة عليه وزاوية الكاميرا وحتى العدسة المستخدمة بما يؤثر -مع كل هذه العوامل- في طبيعة الأداء.
طبعًا كان كلام "زكي" مقنعًا ولكن ما العمل في حالة الاضطرار وكيف تعيش الصناعة إذا توقفت أمام رهافة فنان كـ"أحمد زكي". فكنت أحاول إقناعه بأن اجعله يعيش قليلًا مع أحداث الفيلم قبل وبعد اللقطة المطلوبة، وأستدعي معه بعض اللحظات والمشاعر لكي نتمكن من إنجاز مشاهد الدوبلاج القليلة للفنان مرهف الحس.
فرغم أن بعض (الصنعة) مطلوب لمهنة الممثل، فإن أحمد زكي لم يلجأ إليها إلا في مراحل العمر الأخيرة، وأذكر أنه غضب من ملحوظ لي على أدائه المحمل بقليل من الصنعة في فيلم "الباشا"، إخراج طارق العريان.
أما من كان يجيد تقديم هذا التوازن بين حرفية الصنعة وسحر الموهبة -وكانوا قليلين- أذكر من بينهم بكثير من المودة فاروق الفيشاوي؛ كان "فاروق" قادرًا على التوحد مباشرة مع الشخصية حين يراها على الشاشة، كان يتذكر كيف قال الجملة وبأي إيقاع وبأي درجة، ومع أي مشاعر قادر على استدعائها بسرعة وتلقائية.
ومن فرط ثقته عندما كنا ننفذ دوبلاج لفيلم "مشوار العمر"، الذي فقدنا معظم أشرطة الصوت الخاصة به في ظروف غريبة، إنه كان يشاهد اللقطة مرة أو اثنتين، ثم يعطي ظهره للشاشة طالبًا مني أن أضغط على يده حين يبدأ الكلام على الشاشة، والغريب أن "دوبلاج" فاروق الفيشاوي كان الأسرع والأدق على الإطلاق.
أما الدوبلاج مع النجمات فكان الأكثر إرهاقًا على الإطلاق، فأن تقف النجمة أمام شاشة من غير ملابسها وحلقانها وباروكتها وإكسسوارها من كل لون ومكياجها الذي تقضي فيه ساعات قبل الوقوف أمام الكاميرا، وتنسى كل ذلك وتضبط كلامها Synchron مع الشخصية، فهذا منتهى العبث من وجهة نظرها.. رحم الله أحمد زكي فقد قال نفس الرأي ولم نقدره.