كان العظيمَ المجد والأخطاء، على ما قال الجواهرى، شاعر العراق الكبير، وله ظلٌّ أخضر حدّثنا عنه محمود درويش، هامته تُطاول السماء، وعند قدميه عيالٌ لا يتوقفون عن المُشاغبة، وإزعاجه فى عالمه الآخر.
أحبُّ عبد الناصر، ولستُ ناصريًّا من قريبٍ أو بعيد؛ وربما لهذا مرّت علىّ ذكراه أمسِ بهدوء، وما فكّرت أن أكتب فى الموعد، إلى أنْ ردّنى إليه، ردًّا خشنًا وقاسيًا، طرحٌ شديد المُراهقة من أحد المحسوبين على سيرة الرجل!
وضع السياسى البارز صورةً لأمين حزب الله الراحل حسن نصر الله، مصحوبة بتعليقٍ مُوجَز: «السيد الأُمّة».. وما فعلها مع سيّده الحقيقى المُنتسِب إليه، ولا أوضحَ عن أيّة أُمّةٍ يتحدّث أصلاً.
مات الزعيم مقهورًا، جرّاء تداعيات الهزيمة، وما عاينه من تداعى حلمه القومى. كان يُحاول استدراك الوقائع عقب أحداث أيلول الأسود فى الأردن. ودّع ضيوف القمة الطارئة بالقاهرة؛ ثم أسلم الروح لبارئها.
فيما قُتِل قائد الحزب والطائفة، وصاحب العمامة السوداء؛ فى معقله الحصين، بعد انكشافٍ ذريع بدّد أسطورة المقاومة والمُمانَعة، وعرّض الدولة اللبنانية لخطرٍ وجودىّ، ناهيك عن أنه كان يختطفها ويرهنها لطرفٍ ثالث.
لى موقفٌ واضح من «حسن»، لا مُواءمة فيه ولا تساهُل. أنا ضدّ الأُصوليّة الدينية، وضدّ أن تُخلَط بالسياسة؛ ثمّ تكون دويلةً، تضع نفسها فوق الدولة، وتحت حذاء نظام رجعىٍّ، فى بلدٍ آخر بعيد، يكره المنطقة ويتربَّص بها، ولا يختلف عن الصهاينة إلَّا فى ظاهر الشعارات.
أمَّا موقفى من «جمال» فمُركَّبٌ وفى غاية التعقيد؛ حتى لَيَبدو للمُؤدلجين والمَناطِقَة وغير العارفين من باب التناقُض المحض. ولستُ مُحابيًا لأحدٍ؛ غير أننى أُنزِلُ الناسَ منازلهم، ولا أنزعهم من حَكَايَاهم، بظروفها وسياقاتها المُتداخلة فى الزمان والمكان.
وإذا ما قِيْسَ شعورى تجاهه على المآخذ والانتقادات، حجمًا ونوعًا؛ فَسَأُحسَب على عُتاة الكارهين. وإن أُخِذَ بقَدرِ الإجلال والتوقير والاعتراف بالفضل؛ فأنا أشدّ ناصريّةً مِمّن يَدّعونها، وما زلتُ أنفِيها عن نفسى أيضًا.
ولا غرابةَ فى الأمر؛ فأنا أختلفُ معه لا عليه. أشُدُّ عليه برفقٍ، وأشيد باعتدالٍ واتّساع أُفقٍ. ولا أسامحه على كثيرٍ ممّا جناه، خيرةً أو اضطرارًا؛ إلا أننى أُجِلُّ عظيم ما أنجزَه، وأراه ظالمًا مرّةً، ومظلومًا عشرات المرّات.
وللمُفارقة؛ فإنه أوّل ظالميه قطعًا. لأنه تخطّى حجاب الغيب بلا بصيرة، وتعارَكَ مع الأقدار وطواحين الهواء. صَمَّ أُذنيه عن صوت العقل، أو أصغى له مُتأخّرًا جدًّا، وبعدما ضيّعته النزوات؛ فضيّع التجربة.
كان رومانسيًّا بزيادة، ومُندفعًا بخِفّة. عليه عبء السرعة فيما لا نحتمل، والبطء فيما كانت تفرضه الضرورة. التوسُّع فى الأحلام، والتضييق على الواقع، والديمقراطية الضائعة، وهُنا أصلُ الداء.
ظُلِمَ الرجل حقيقةً، بالمرحلة وتقلُّباتها العنيفة، وبأثقال العهد البائد وثاراته، مع مجتمعٍ لم يكن جاهزًا للقفزة الواسعة، ولم يجد من يُعدّه بوعىٍّ وحُنوٍّ.
ظلمه كارهوه من أهل الهوى: مماليك سُلِبوا مزاياهم، وملائكةٌ تطهّروا من الخطايا بأثرٍ رجعىٍّ، وأبناء فلّاحين ينكرونه ليتبرّأوا من مواضيهم وعُقَد النقص.
على أنَّ أكبر المظالم جاءت من ذوى القُربى، أو مَن يدّعون. الثُلّة التى أخرجت الرجل من بشريته، ونصّبته نَبيًّا أو شيخ قبيلة، وأخذت تتحدَّث باسمه من يومها للآن، على خلاف ما كان ماضيًا نحوه فى ماضيه، وما لو عاش كان سيصير إليه حتمًا.
وليس أبلغ من قبوله لمبادرة روجرز مثلاً، صيف العام 1970، وتعنيف السادات لأنه أبدى موقفًا مُضادًّا.
والتسجيلات الصوتية التى تحدَّث فيها عن تبرُّمه الضمنىِّ من شعارات القوميِّين ومُزايداتهم، وإقباله غير الخَفىِّ على فكرة التسوية السياسية.
وجدُ الزعيم نفسَه زعيمًا، أو سعى إليها، قبل أن يستوى؛ فعاش يتعلّم ويتفقّه داخل التجربة، تُصوّبه ويُصوّبها فى عراكٍ مُتّصلٍ، لا يصحُّ معه اتهامه بأنه خفيفٌ معدومُ الوزن، ولا تحميله عبءَ التفلسُف وأُبوّة النظريّة!
ما مِن ناصريَّةٍ أصلاً. صاحبُ العنوان لم يُقدّم أيديولوجيا مُكتملةً، ومات قبل أن يُعلِنَ عقيدتَه.
وبعضُ الورثة السياسيين لفَّقوا لافتةً بلا مضامين حقيقية؛ اللهم إلَّا مبادئ عامّة، بديهية وسابقة عليه أصلاً: الاستقلال والتحرُّر والقوميّة، مع تجاوز الصراعات الدولية بالحياد، ومحاولة بناء نموذج تنموى وطنى؛ ولا شىء آخر.
يؤخَذ من الرئيس الراحل ويُرَدّ عليه، ويُنتقَد بلا سقفٍ أو حدود؛ إلا أن يُساوَى أو يُوضَع رأسًا برأسٍ مع أعداء خُلَّص.
ولا أعرف متى تآخت القومية مع المذهبية، أو الأُمميّة بمعناها الدينى. وإذ اختزل السياسى البارع جماعةً كاملاً فى فردٍ ناقص؛ فلم يَقُل عن أيّة أُمّة يتحدث: العربية التى يُطنطن بها، أم الفارسية التى كان ممدوحُه أجيرًا فى حظيرتها؟!
وليست سابقته الأولى للأسف؛ إذ تورّط من قبلُ فى الاعتذار لجماعة الإخوان الإرهابية، عمّا لاقته فى زمن زعيمه خلال الستينيات؛ كأنه يحوز الناصرية، ويحتكر الحديث باسمها، ويُقرّ بأخطائها مُنفردًا، ولصالح فصيلٍ لم يُضبَط مُتلبّسًا بالوطنية فى أية مرحلة!
وإلى ذلك؛ فقد تحالف معهم فى الانتخابات، ودفع شركاءه إلى الترشُّح للبرلمان على قوائمهم، فكان هجينًا ممسوخًا بين القول والفعل/ الشعارات الصافية والممارسات فى أشد حالاتها تناقضا وانتهازية!
دافع عبد الناصر عن الدولة الوطنية؛ وإن بطريقة غير صائبة تمامًا. أمّا حسن نصر الله فكان ضدّها، وإلى عدوّها أقرب. والجمهورية الإسلامية كالدولة العبرية، ولا يُبَرَّر غَزوٌ بغزوٍ؛ ولو كان أحدهما رماديًّا ناعمًا، أو زعم ما يُشبه مواقفنا وانحيازاتنا.
لا يُمكن أن تخدم سيّدين من طينتين مُختلفين، أو على ضفّتين مُتقابلتين، ومُتضادّتين تمامًا. إمّا أن تكون ناصريًّا أو خُمينيًّا، ولا مجال لأىِّ توفيقٍ بينهما، سيكون حتمًا من قَبيل التلفيق والاحتيال.
عمامةُ المُرشد السوداء ستارٌ لغايات أخرى، عرقيّة وجغرافية، سُتِرّت بالمذهب لأن إحن الماضى مفضوحة فى السياسة. يحلم الفُرس بالمجد الغابر، والامبراطوريات الساقطة، ويتوسّعون بالقَضم والعُملاء، وكل الميليشيات الرديفة من «محور المُمانَعة» تنطبق عليهم الصفة.
عشوائية المواقف والأفكار ليست تسامحًا، وخلط المُتضادّات ببعضها سطحية وسذاجة، وإهانة للذات بأكثر من كونها مديحًا غير مُستحَقٍّ للآخر؛ كأنك تُمرّغ زعيمك فى طين الطائفية، وتضع بالغصبِ عِمامةً سوداء على رأس صاحب الظلّ الأخضر!