ننسى أحيانا أن أثمن الأشياء في هذه الحياة هي تلك التي لا تدفع فيها قرشا واحدا، وأن أشد الفواجع قسوة هي تلك التي لم تقع بعد.
نغرق في تفاصيل أيامنا المتشابهة، نتذمر من روتين هادئ يلفنا، ونشكو من بطء الوقت وثبات المشهد، دون أن ندرك أن هذا الثبات بالذات هو القمة التي يطمح إليها الملايين في مخيمات النزوح وأروقة المستشفيات.
إن اعتياد النعم ينزع عنا الرؤية الحقيقية للوجود، فيتحول الأمان إلى ملل، والصحة إلى شيء بديهي، ووجود الأحباء حولنا إلى تفصيل عادي لا يلفت الانتباه.
نتطلع دائما إلى الأفق البعيد بحثا عن صخب النجاحات وعواصف التغيير، بينما تفوتنا الطمأنينة الساكنة التي تجلس بيننا في الغرفة نفسها.
هذا الرقاد الطويل للمصائب في حياتنا ليس مجرد فراغ أو تشابه في الأيام، بل هو سياج من الرحمة يحيط بنا، ونحن نلقي عليه حجارة السخط والضجر.
تأمل يومك الذي مضى كأمسك، واعتبر كيف تبدأ صباحك دون خبر يفجعك، وتعود إلى بيتك فتجد سقفك ثابتا وأهلك بخير.
إن الشكوى من روتين الحياة هي رفاهية لا يملكها من يتنقل بين الغرف الطبية أو يرقب الأفق خائفا من صوت قذيفة.
الحياة التي تصفها بالمملة هي نفسها الأحلام التي يدعو بها الآخرون كل ليلة.
لتكن دعواتنا دوما أن يرزقنا الله بصيرة نرى بها النعم قبل أن نفقدها، وأن ندرك أن الاستقرار ليس خمولا بل هو سلام، وأن الأيام العادية هي في جوهرها أعياد خفية نعيشها في صمت دون أن نرفع لها الأعلام.
التعوذ من نسيان النعم هو في الحقيقة تعوذ من العمي الإنساني الذي يجعلنا نطلب المزيد بينما نمسك بين أيدينا كل شيء.