مجدى أحمد على

مجدى أحمد على يا سينما يا غرامى من عين مساعد المخرج / ٧

الإثنين، 28 سبتمبر 2026 06:08 م


 
نَظَرَ "محمود شعبان" إلى العمال الهنود وهم يفضون الكرتونة التي تحمل "الكرين"، الذي أشفقنا على "عم محمود" حين رأيناه مختلفًا قليلًا عما أعتدنا عليه في مصر. ولبُرهة قصيرة تأمل الرجل العجوز المُعِدَة الجديدة ثم بدأ (بالإشارات) يسأل عن بعض نواقص فهمها الهنود الذين لا يعرفون لغته، وإذا بهم يحضرونها في دقائق قليلة. وهكذا عبر اللغة الجديدة بينهم تمكن "عم محمود" من تركيب "الكرين" في زمن قياسي، وعلى الفور رأيت انبهار العمال المهرة بهذه الشخصية الفذة، ومنذ هذه اللحظة سارت العلاقة بين هؤلاء وبين "عم محمود" شديدة الغرابة؛ إذ تحولت إلى نوع من الإعجاب يقارب التقديس، حتى أنهم أجمعوا -دون اتفاق- على مناداته: (بابا) طوال مدة التصوير.


أما عن الدور الذي يتجاوز المهام التي ذكرتها عن وظيفة الماشينيست فحدث ولا حرج، المخرج عند استخدام "الشاريو" في لقطة معينة يحدد متى تبدأ حركة الكاميرا ومتى تنتهي، ولكن "محمود شعبان" هو من يحدد الإيقاع، أو رتم هذه الحركة، بناءً على المساحة المتاحة وعلى موضوع اللقطة التي نظن أنه يجهلها!! كان يتابع البروفه بدقة واهتمام وصدق، يعرف كيف تبدأ الحركة وبأي سرعة وكيف تتوقف وبأي إحساس.. نعم إحساس!!


كان يدفع "الشاريو" أو "الكرين" بشكل مختلف باختلاف محتوى اللقطة من الناحية الدرامية، ففي مشاهد الأكشن أو المباغتة أو الإثارة يعرف كيف يدفع الكاميرا بالطريقة اللازمة لتوصيل هذه المشاعر، ويعرف تمامًا كيف يدفعها في مشاهد الغرام أو الحنان أو المشاعر الفياضة؛ إذ يحرص على انسيابية الحركة ونعومتها بما يؤدي إلى التأثير الفعال على الممثل والمصور والمخرج. فالحركة غير المحسوسة والدقيقة والسهلة المواكبة للحدث الدرامي تؤدي، دون أن يشعر أحد، إلى جودة الأداء لكافة عناصر اللقطة من ممثلين وإضاءة و"ميزانسين" الحركة داخل اللقطة.


كان بعض عمال "الكلاكيت" ينطقون "رقم الكلاكيت" بصوت لا يتناسب مع الفعل الدرامي، فكان "عم محمود" يوجههم لتغيير أسلوبهم، وإذا لم يستجيبوا فإنه ينتظر برهة بعد خروج "الكلاكيت" كي يتيح للممثل الدخول إلى الشخصية قبل أن يبدأ الحركة، وحتى يختفي من الكادر أثر ذرات "الطباشير" الذي كان يكتب به "الكلاكيت" في هذه الأيام. طبعًا هذه التفاصيل لا أظن أن يدركها المشاهد وربما بعض المخرجين الجدد لدقتها، ولكني ـكمساعد مخرج ـ لاحظتها، وعندما أثنيت عليه بعد لقطة معينة ابتسم قائلًا: "إحنا مش حمير يا دكتور.. عندنا إحساس برضه".. وعندها احتضنته ممتنًا ومقدرًا.


لا أنسى أبدًا مشهد العمال الهنود، عند انتهاء التصوير (يوسف وزينب) في المالديف، وهو يودعون "محمود شعبان" بالبكاء والنحيب بعد أن أصبح (بابا حقيقيًا) لكل منهم دون أي وسيط لغوي، سوى المحبة وتقدير المهارة وتواضع الخبير بمهنته.


الآن أصبحت مهنة "الماشينيست" منسية تمامًا بدخول عصر الريموت أو التحكم عن بعد، فأصبح (الماشينيست) شابًا صغيرًا يجلس على جهاز إلكتروني يدير حركة الكاميرا وارتفاعها وسرعتها من بعيد، وأمامه "مونيتور" يراقب فيه نتيجة عمله، وليس لديه مشكلة الخام؛ فهو يستطيع إعادة اللقطة عشرات المرات ومن كل الزوايا، كما أنه ليس على اتصال مباشر بعناصر العمل (ممثلين ومجاميع) إلا عبر إرادة المخرج البعيد أيضًا عن الموقع روحًا وتفاصيل.


ليس معنى هذا أن الزمن الجديد قد خلا من المشاعر الصادقة أو الإحساس الدرامي المناسب لكل لقطة، ولكني أشعر أن (حميمية الالتصاق) وبدائية عملية الدفع اليدوي لحركة الكاميرا قد اُفتُقِدَت واُفتُقِد معها قدر كبير من الحنان والرقة والتلقائية.


لم أعد أسمع اسم "سالم" أو "محمود شعبان" في تصوير الأفلام، ربما كان السن هو من أبعدهم، وربما كان الزمن الوغد.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة