عند تصفح أرشيف للصور الشخصية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، ستلاحظ في النهاية ظاهرة لافتة: كرسي يبدو رسميا وموضوعا بعناية، لكنه خال من أي شخص، فما سر انتشار الكراسي الفارغة في الصور الفوتوغرافية القديمة؟ وماذا كانت هذه المقاعد الخالية تعني؟

الكراسى الفارغة
مقاعد مقدسة
للمقعد الفارغ تاريخ طويل في الفن، ففي العالم القديم، كان يستخدم رمزا لسلطة غائبة أو غير مرئية، مثل الآلهة، ومنذ عهد الإسكندر الأكبر، استخدم العرش الفارغ في الثقافة اليونانية للدلالة على الملوك الغائبين.
وظهر مفهوم آخر للمقعد الفارغ في الفن المسيحي المبكر، حيث كان العرش الفخم الخالي من الجالس رمزا دينيا ارتبط بفكرة الاستعداد، وفقا لما ذكره موقع هيستوري فاكت.
وكان العرش الفارغ يظهر عادة محاطا بقيادات دينية ومدنية تنتظر يوم الحساب، ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك لوحة فسيفسائية في قبة معمودية أريوس بمدينة رافينا الإيطالية، شيدت في أواخر القرن الخامس الميلادي، وتصور عرش المسيح الفارغ محاطا بالرسل.
ورغم أن العرش الفارغ كان رمزا معروفا في الفن الديني القديم، فإنه لم يكتسب حضورا رمزيا كبيرا في الحياة اليومية أو الفن المدني، ومن الصعب العثور على أمثلة موثقة لاستخدام الكراسي أو العروش الفارغة رمزا في اللوحات قبل منتصف القرن التاسع عشر، إلى أن ظهرت التصوير الفوتوغرافي ووقعت حرب غيرت دلالة هذا الرمز.

صور الكراسى الفارغة القديمة
الحزن في زمن الحرب
بينما استخدم الفن القديم المقاعد الفارغة للتعبير عن غياب الآلهة والملوك والشخصيات المقدسة، اكتسب الرمز معنى أكثر خصوصية خلال الحرب الأهلية الأمريكية.
وشهدت تلك الحرب انتشارا واسعا للتصوير الفوتوغرافي، في الوقت الذي عاشت فيه عائلات أمريكية كثيرة تجربة الغياب بشكل مباشر، بعدما ذهب الأزواج والأبناء والإخوة إلى القتال، ولم يعد كثير منهم.
وفي عام 1861، وهو العام الأول للحرب، نشرت صحيفة في ولاية ماساتشوستس قصيدة بعنوان "الكرسي الخالي"، كتبت بعد وفاة ضابط شاب يبلغ من العمر 18 عاما خلال إحدى المعارك في ولاية فرجينيا. وسرعان ما تحولت القصيدة إلى أغنية، وأصبحت من أشهر أغاني الرثاء في تلك الفترة.
رمز للغياب والفقد
اكتسب الكرسي الفارغ دلالة قوية في الولايات المتحدة، وأصبح بالنسبة إلى العائلات التي فقدت أحد أفرادها وسيلة لتكريمه وإبقائه حاضرا في تاريخ الأسرة المصور رغم غيابه.
وكانت بعض العائلات تطلب التقاط صورة للكرسي الذي كان يجلس عليه الشخص المتوفى، ليصبح المقعد الخالي رمزا للحزن والفقد.
وخلال الحرب الأهلية الأمريكية، التي تشير التقديرات إلى أنها أسفرت عن وفاة نحو 620 ألف رجل، أصبح الكرسي الفارغ رمزا قويا للخسارة والحزن.
صورة تختصر الغياب
لم تختف دلالة الكرسي الفارغ بانتهاء الحرب الأهلية، بل أصبح أسلوبا بصريا معروفا، يفهم المشاهد معناه سريعا باعتباره رمزا للفقد، وليس مجرد تفصيل عابر في تكوين الصورة.
فالصورة التي يظهر فيها كرسي فارغ وسط أفراد من عائلة في حالة حداد لم تكن تحتاج إلى شرح، إذ كان المشاهد يدرك أن شخصا مهما غاب عن المشهد، سواء كان جنديا أو أحد الوالدين أو صديقا أو شخصية عامة.
ولم يقتصر هذا الرمز على التصوير الفوتوغرافي، فبعد وفاة الكاتب تشارلز ديكنز عام 1870، انتشرت صورة محفورة لكرسيه الفارغ في مكتبه، بوصفها وسيلة لتخليد ذكراه.
وفي عام 1888، استلهم الفنان فنسنت فان جوخ هذا التقليد البصري في إحدى أشهر لوحاته، التي تصور كرسيا بسيطا يقف على أرضية من البلاط، بينما لا يوجد على المقعد سوى غليون الفنان والتبغ.
وهكذا تحول الكرسي الفارغ من رمز قديم للغياب إلى وسيلة جديدة للتعبير عن الفقد والحزن، وأصبح واحدا من أكثر الرموز تأثيرا واستمرارا في تاريخ التصوير، ليؤكد أن أقوى طريقة لتصوير شخص ما قد تكون أحيانا تصوير المكان الذي كان يشغله بعد رحيله.

صورة من القرن التاسع عشر