أحمد إبراهيم الشريف

ما بعد الهيمنة.. هل يعيد التفاهم تشكيل العالم؟

الأحد، 27 سبتمبر 2026 09:20 ص


يمتلك العالم اليوم قدرة على الاتصال لم يعرفها فى أى وقت سابق، فالأخبار والصور والفيديوهات والأفكار تنقل فى ثوان، والكتب والأفلام والخطابات السياسية تصل إلى ملايين البشر في لحظة صدورها، وصار  بإمكان أى إنسان أن يتابع ما يجرى فى مجتمع يبعد عنه آلاف الكيلومترات وهو جالس فى بيته، ومع ذلك لا يبدو أن هذه القدرة الهائلة على الاتصال أنتجت قدرة مماثلة على الفهم، فها نحن نستمر في تقديم الصور النمطية، ونكرر أخطاءنا في قراءة المجتمعات، ونرى أزمات تندلع بسبب سوء تقدير نوايا الآخرين.

هذه المفارقة يضعها الدكتور أحمد السعيد فى قلب كتابه "ما بعد الهيمنة.. كيف يعيد التفاهم تشكيل العالم؟"، الصادر عن بيت الحكمة، وينطلق منها إلى فكرة تستحق النقاش، تتعلق بالفارق بين أن نعرف الآخر وأن نفهمه.

ويدور الكتاب حول محاولة فهم التحولات التى يشهدها العالم، وإمكانية بناء العلاقات بين الدول والمجتمعات على قدر أكبر من التفاهم، وذلك من خلال ثلاثة أبواب رئيسية، يناقش الأول، "مأزق السرديات المهيمنة"، وعود التحديث وخيباتها، وفكرة صدام الحضارات، ومفارقة العولمة الرقمية التى أتاحت قدرًا هائلًا من المعلومات والاتصال دون أن تقود بالضرورة إلى قدر مماثل من الفهم، وينتقل الباب الثانى "الأسس الحضارية والإطار النظرى"، إلى عدد من الجذور الفكرية والحضارية، من بينها الحكمة الصينية وتجربة بيت الحكمة والتراث العربى الإسلامى، وصولًا إلى صياغة مفهوم "التنمية التفاهمية"، أما الباب الثالث، "التطبيق وأفق ما بعد الهيمنة"، فيضع الفكرة أمام الواقع من خلال العلاقات العربية الصينية، ودور مصر، وما يفتحه صعود مراكز جديدة للقوة والمعرفة من أسئلة حول شكل العالم المقبل.

وفى قلب هذه الموضوعات يظل الفارق بين المعرفة والفهم حاضرًا، فالمعرفة تستطيع أن تخبرنا بحجم اقتصاد دولة، وعدد سكانها، وتاريخها، ونظامها السياسى، وموقفها من القضايا المختلفة، بينما يحتاج الفهم إلى معرفة الطريقة التى ترى بها هذه الدولة نفسها، والسياق الذى تشكلت فيه اختياراتها، والقيم والمخاوف والخبرات التاريخية التى تتحرك داخلها.

ومن هنا يقدم أحمد السعيد مفهوم "التنمية التفاهمية"، واضعًا الفهم داخل عناصر التنمية والعلاقات بين الدول والمجتمعات، والفكرة هنا تتجاوز الدعوة المعتادة إلى الحوار بين الثقافات، فالعالم عرف مؤتمرات كثيرة للحوار، وبرامج للتبادل الثقافي، ومشروعات للترجمة، ومبادرات للتقارب بين الشعوب، ومع ذلك ظلت مساحات واسعة من سوء الفهم قائمة، ويذهب الكتاب إلى أن التفاهم يحتاج إلى مؤسسات تعمل عليه بالطريقة نفسها التى تعمل بها المؤسسات على الاقتصاد والتعليم والاستثمار والبحث العلمي.

فالدولة التى تدخل فى علاقات واسعة مع دولة أخرى تحتاج إلى أكثر من الاتفاقيات التجارية والسياسية، تحتاج إلى باحثين يعرفون المجتمع الآخر، ومترجمين قادرين على نقل المعنى والسياق، ومؤسسات بحثية تنتج معرفة مستقلة، وإعلام يفهم طبيعة المجتمع الذى يتحدث عنه، ومتخصصين يستطيعون تفسير القرارات داخل سياقها الثقافى والتاريخي.

ويختار أحمد السعيد العلاقات العربية الصينية مساحة رئيسية لتطبيق هذه الفكرة، ويرى أنه خلال العقود الأخيرة توسعت العلاقات بين الصين والعالم العربى بصورة كبيرة، وازدادت التجارة والاستثمارات والزيارات والترجمات والتعاون السياسى والثقافي

هذا الاتساع يفتح سؤالًا آخر يتعلق بحجم المعرفة المتبادلة بين المجتمعين، فمن أين يعرف العربى الصين؟ جزء من معرفتنا يأتى عبر ما تقدمه الصين عن نفسها، وجزء آخر يصل إلينا عبر المصادر الغربية، وتظل الحاجة قائمة إلى معرفة عربية مستقلة بالصين، تنطلق من قراءة لغتها ومجتمعها وتاريخها وتحولاتها ومصادرها المختلفة، ثم تصوغ رؤيتها الخاصة.

والأمر نفسه ينطبق على صورة المجتمعات العربية لدى الصينيين، وهنا يصل الكتاب إلى نقطة أوسع من العلاقات العربية الصينية، وهى العلاقة بين  المعرفة والقوة، فالقوة فى العالم لا تتجسد فقط فى الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا، وتظهر كذلك فى القدرة على إنتاج المعرفة، ووضع المفاهيم، وتفسير الأحداث، وتقديم الشعوب والحضارات إلى العالم، ومن يملك أدوات المعرفة يمتلك مساحة مؤثرة فى تشكيل الصورة.

ولهذا عاشت شعوب كثيرة لسنوات طويلة وهى تتعرف على نفسها وعلى جيرانها من خلال مراكز معرفة موجودة خارجها، تقرأ تاريخها بالمصطلحات التى وضعها الآخرون، وتناقش قضاياها داخل أطر فكرية جرى إنتاجها فى بيئات مختلفة.

من هذه الزاوية يمكن فهم معنى "ما بعد الهيمنة" بصورة أعمق، فالقضية لا تتعلق بانتقال مركز القوة من دولة إلى دولة، ولا باستبدال قوة عالمية بأخرى،  الفكرة الأكثر أهمية تتعلق بعالم تتعدد فيه مراكز إنتاج المعرفة، وتصبح المجتمعات أكثر قدرة على تقديم نفسها، وأكثر قدرة على فهم الآخرين من خلال معرفة صنعت جزءًا معتبرًا منها بنفسها.

وهنا يظهر التحدى الحقيقى أمام مفهوم "التنمية التفاهمية"، المصطلح جذاب، والفكرة تحمل قدرًا واضحًا من الأهمية، وقيمتها الحقيقية سوف تظهر كلما استطاعت التحول إلى أدوات يمكن قياسها واختبارها، فنحن نستطيع قياس حجم التجارة بين دولتين وعدد الطلاب، وعدد الكتب المترجمة، وحجم الاستثمارات والزيارات، بينما يحتاج قياس "التفاهم" إلى أدوات أكثر تعقيدًا.

يمكن مثلًا دراسة المصادر التى يحصل منها كل مجتمع على معرفته بالآخر، والصور الأكثر انتشارًا عنه، ومدى معرفة النخب الثقافية والسياسية والاقتصادية بلغته وتاريخه، وعدد المتخصصين الحقيقيين فيه، وحجم المعرفة التى ينتجها كل طرف عن الطرف الآخر بصورة مستقلة.

عند هذه النقطة يتحول التفاهم من قيمة أخلاقية جميلة إلى مشروع معرفى ومؤسسي، وأظن أن هذه هى المساحة الأهم فى كتاب أحمد السعيد، فالعالم طور وسائل الاتصال بسرعة مذهلة، واحتاج فى المقابل إلى وقت أطول لتطوير أدوات الفهم، التكنولوجيا جعلتنا نرى الآخرين أكثر، بينما تركت أمامنا مهمة أصعب، تتمثل فى معرفة ما الذى تعنيه الأشياء بالنسبة إليهم.

والفارق بين الأمرين كبير، فكم من أزمة بدأت لأن طرفًا عرف موقف الآخر ولم يفهم أسبابه، وكم من علاقة اقتصادية امتلكت المصالح المشتركة وتعطلت عند اختلاف الثقافات وطرق التفكير، وكم من مجتمع امتلك آلاف المعلومات عن مجتمع آخر وظل أسير صورة قديمة عنه، لهذا تفتح فكرة "التنمية التفاهمية" بابًا يستحق النقاش.

فالعالم الذى يتشكل أمامنا يتجه إلى تعدد أكبر فى مراكز القوة والاقتصاد والثقافة وإنتاج المعرفة. وفى عالم بهذه الصورة سوف تصبح قدرة المجتمعات على فهم بعضها عنصرًا مؤثرًا فى قدرتها على التعاون، وعلى إدارة الخلاف، وعلى حماية مصالحها أيضًا.

ربما كانت المشكلة طوال سنوات طويلة أننا انشغلنا بزيادة ما نعرفه عن العالم، وآن الوقت لأن ننشغل بالقدر نفسه بكيف نفهم ما نعرفه، وهنا تكمن قيمة السؤال الذى يطرحه "ما بعد الهيمنة":

هل يصبح الفهم نفسه أحد مصادر القوة فى العالم المقبل؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة