الانسحاب الصدمة لوفود 77 دولة أثناء صعود رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة كان صفعة عنيفة ورسالة احتجاج قوية ليس فقط على الممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني واللبناني وحرب الإبادة ضد غزة التي راح ضحيتها الالاف من الفلسطينين، وانما كانت صرخة دولية ضد وجود مطلوب للعدالة وشخص صادر بحقه من المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال مع وزير دفاعه السابق يواف جالانت، لمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
هل كان من حق الجمعية العامة للأمم المتحدة منع نتنياهو من القاء كلمته أو حضور الاجتماعات؟
الإجابة بالتأكيد بالسلب، فالمحكمة الجنائية الدولية منظمة دولية ليست تابعة لمنظمة الأمم المتحدة وتختلف عن محكمة العدل الدولية التابعة للمنظمة الدولية. وبالتالي ليس من حقها منع نتنياهو. لكن على الجانب الآخر يتساءل الملايين في العالم " وهل هناك قانون أو عقل يحكم العالم الآن..؟ " فمن منح الحق لترامب وسلطات الولايات المتحدة الأميركية وهي الدولة المستضيفة فقط للمنظمة الدولية لمنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد المرافق له من دخول الأراضي الأميركية وحضور اجتماعات الجمعية العمومية. العالم يدار الأن بعيدا عن المنظمة الدولية التي تواجه دعوات لإصلاح وإعادة هيكلة مؤسساتها لتواكب التطورات والتغييرات التي حدثت في العالم خلال الثلاثين عاما الأخيرة من صعود قوى إقليمية جديدة. منطق "القوة" و" البلطجة السياسية" هو الذي تدار به الأزمات في العالم حاليا وليس بميثاق الأمم المتحدة.
لكن تبقى رسالة مشهد الانسحاب والصدمة والرعب التي أصابت نتنياهو والطغمة الحاكمة في تل أبيب داخل قاعة الجمعية العامة وهي رسالة سياسية ودبلوماسية دولية ضد السردية الصهيونية التقليدية والسقوط المدوي لها منذ الانكشاف الصهيوني في حرب الإبادة ضد غزة وعدوانها على الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية.
رسالة مشهد الانسحاب الصدمة لا يعني سوى معنى واحد وهو هزيمة إسرائيل سياسيا ودبلوماسيا . فالحرب ليست فقط انتصار عسكري وانما بمجمل نتائجها سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا. الهزيمة تعترف بها وسائل الاعلام الإسرائيلية التي رأت أن مشهد الانسحاب يعكس عزلة إسرائيل المتفاقمة في الساحة الدبلوماسية. وما جرى يترجم حجم الاحتجاج الدولي ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية. ودليلا إضافيا على أن العالم يدير ظهره لإسرائيل ويزيد من عزلتها.
الغضب والصدمة والرعب لم يكن من داخل الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، لكنه كان أيضا خارج القاعة فقد اندلعت مظاهرات غاضبة في شوارع نيويورك . فحركة " الصوت اليهودي من أجل السلام" نظمت مظاهرة للمطالبة بإنهاء الحرب على غزة والاحتجاج على زيارة نتنياهو لنيويورك، وسط هتافات "أوقفوا القصف، أوقفوا القتل" و"دعوا غزة تعيش" و"أوقفوا تسليح إسرائيل"، و ورفع لافتات تصف نتنياهو بأنه "لا يمكنه الاختباء" و"مطلوب بتهمة الإبادة الجماعية".
خرجت إسرائيل منبوذة وغارد نتنياهو نيويورك منبوذا ومجرما مطلوب للعدالة الجنائية والإنسانية وتضاعفت الخسائر وأهمها خسارة الرأي العام العالمي في كافة أنحاء العالم وبشكل خاص داخل الولايات المتحدة الأميركية وجامعاتها الشهيرة. والأهم أيضا أن إسرائيل خسرت الحاضر والمستقبل وتهاوت عنها الأقنعة الزائفة التي خدعت بها العالم لعقود طويلة. وهو ما اعترف به زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيجدور ليبرمان بالقول ان "نتنياهو ومعه إسرائيل أصبحا منبوذين وعبئا على العالم الغربي. وان مكانة إسرائيل في العالم وصلت إلى أدنى مستوياتها وأحذر من انهيار اقتصادي حقيقي بسبب العقوبات الأوروبية على إسرائيل" وطالب بضرورة استبدال القيادة التي تقود إسرائيل إلى كارثة سياسية وأمنية واقتصادية في انتخابات 27 أكتوبر القادمة.
لم يهتم أحد بألاعيب نتنياهو وكلمته الكاذبة فوق منبر الأمم المتحدة وركزت وسائل الاعلام على الانسحاب الجماعي وهتافات وصيحات الاستهجان لحضور رئيس وزراء الكيان. لم يهتم أحد بما قاله وما لوح به وما حاول به تجاوز الصدمة.