قبل أيام قليلة وأثناء جولة سريعة بين تطبيقات الهاتف التي تبتلع ساعاتنا دون أن نشعر استوقفني مشهد في بث مباشر على إحدى المنصات: أسرة كاملة تجلس أمام شاشة مثبتة في غرفة نومها تفتعل مشاجرة صاخبة وصراحا هستيريا بين الزوج والزوجة على مرأى ومسمع من أطفالهما الصغار. الوجوه مرهقة والحديث مبتذل والمشهد كله يخلو من أي معنى إنساني أو منطق سليم باستثناء هدف وحيد ومكشوف: استجداء المشاهدين للضغط على الشاشة لزيادة التكبيس وإرسال هدايا رقمية تتحول في نهاية السهرة إلى حفنة دولارات رخيصة.
هذا المشهد لم يعد استثناء يُثير الاستغراب بل صار قاعدة يومية تتكرر بأشكال متعددة من فضائح زوجية مفتعلة إلى سباب علني وتحديات خطرة تهدد الأرواح وصولا إلى انتهاك حرمات البيوت وكشف أسرارها على قارعة الطريق.
كل هذا العبث يُدار تحت لافتة واحدة تحولت إلى ما يشبه الديانة الجديدة في العالم الافتراضي: لافتة الريتش.
لقد تبدلت المعادلة المجتمعية التي نشأنا عليها وانقلبت الموازين بصورة تستدعي دق ناقوس الخطر فالمكانة التي كانت تنتزع بسنوات من التعليم والبحث والعمل الدؤوب أصبحت اليوم تباع في سوق الشاشات بأبخس الأثمان.
لم يعد أحد يكترث بما تملكه في عقلك من فكر أو ما تحمله في يدك من حرفة تنفع الناس بل أصبح السؤال الأوحد: كم متابعا لديك؟ وكم حقق مقطعك الأخير من مشاهدات؟ وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال تهاوت كل الخطوط الحمراء وسقط حياء البيوت وتحول أرخص ما في الإنسان إلى سلعة معروضة لمن يدفع أكثر حتى وإن كان المقابل التنازل عن الكرامة وبيع الخصوصية للغرباء.
لكن المحاكمة الحقيقية لهذا المشهد لا ينبغي أن تقف عند حدود هؤلاء المبتذلين الذين اتخذوا من التفاهة مهنة فالشجاعة تقتضي منا أن نواجه أنفسنا بالسؤال الأهم: من الذي صنع هؤلاء المهرجين ونفخ في صورهم حتى حولهم إلى نجوم مجتمع؟ الحقيقة الصادمة أننا جميعا شركاء في هذه الجريمة الأخلاقية سواء عن قصد أو دون قصد. فالصانع التافه ما كان له أن يستمر لولا أنه وجد جمهورا ينتظره ويدفع له من وقته وتركيزه. الكارثة الكبرى تكمن في ذلك المشاهد الذي يشارك المقطع المبتذل ويكتب تحته معلقا: "انظروا إلى هذا الانحطاط يجب محاسبة هؤلاء! يظن هذا الشخص بحسن نية أنه يحارب التفاهة ويفضحها بينما الحقيقة أنه يقدم لصاحبها أعظم خدمة مجانية يمكن أن يحلم بها.
إن الخوارزميات التي تُدير تلك المنصات ماكينات صماء وعمياء لا تملك قلبا ولا عاطفة ولا ضميرا هي لا تفهم معنى الغضب ولا تفرق بين الإشادة واللعنة هي تفهم مصطلحا واحدا فقط: معدل التفاعل. كل شتيمة تكتبها في التعليقات تسجل كحركة نشاط وكل مشاركة تقوم بها بدافع السخرية تُترجم فورا في سجلات المنصة كدليل على أن هذا المحتوى جذاب ويستحق الانتشار وبكل بساطة نصنع من الجاهل بطلا ونرفع السفيه إلى قمة التريند في حين يظل صاحب الكلمة الرزينة والمحتوى المحترم غارقا في الظل محاصرا بقلة المشاهدات وضعف التفاعل لأنه رفض النزول إلى الوحل ليرضي شهوة الخوارزمية وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي يهدد بنيان المجتمع فالأزمة لا تتوقف عند تلوث الذوق العام أو إهدار الوقت بل تمتد لتضرب في مقتل منظومة القيم والقدوة لدى الأجيال القادمة.
كيف نقنع ابنا أو طالبا في مقتبل عمره أن يجلس على مكتبه ليستذكر دروسه ويكابد التعب لسنوات طويلة من أجل شهادة جامعية أو تدريب مهني وهو يرى بأم عينيه على هاتفه مراهقا لا يُحسن صياغة جملة مفيدة يركب أفخم السيارات ويُستقبل في المناسبات استقبال الفاتحين ويجني من المال في جلسة بث واحدة ما لا يحققه أستاذ جامعي أو طبيب جراح أفنى عمره في خدمة الناس وإنقاذ الأرواح؟
الرسالة التدميرية الخفية التي تتسلل إلى نفوس هؤلاء الشباب يوميا تقول: إن التعليم وهم والاجتهاد حيلة العاجز والكرامة عائق في طريق الثراء هذه الثقافة السامة إن تركت تنخر في جسد أجيالنا فإننا لن نحصد في المستقبل سوى أجيال هشة تبحث عن الكسب السريع بلا جهد وتفضل الرقص والفهلوة على التفكير والإنتاج وتتعامل مع الحياء كأنه رجعية تخلفية تعطل مسيرة الشهرة.
إننا لا نطالب هنا بقطع كابلات الإنترنت أو العيش في عزلة عن العالم والتقنيات الحديثة فذلك منطق ساذج يخاصم لغة العصر. كما أننا نرى ونثمن التدخلات القانونية التي تلاحق أصحاب الحسابات المخالفة للآداب العامة وهي خطوة حتمية لحماية النظام العام وصون حرمة البيوت. ولكن الرهان الحقيقي والدائم لا يمكن أن يُبنى على العصا القانونية وحدها الرهان الأكبر هو على وعي المستخدم العادي ذلك السلاح السري والفتاك الذي لا تصمد أمامه أعتى خوارزميات وادي السيليكون: سلاح التجاهل التام للتفاهة في فضاء الشاشات تشبه النار تماما لا تحتاج إلى ماء لتنطفئ يكفي فقط أن تمنع عنها الحطب لتموت من تلقاء نفسها. والحطب الذي يغذي تلك النيران هو انتباهك ووقتك ونقرتك على الشاشة متى امتلكنا الشجاعة لنمر على المحتوى الهابط دون أن نمنحه ثانية واحدة من المشاهدة ودون أن نترك تعليقا واحدا نلومه فيه سنجبر تلك المنصات على إسقاطه في غياهب النسيان لأنها ببساطة لن تجد وراءه أرباحا ولا رواجا.
لقد حان الوقت لكي ننتفض لكرامتنا الإنسانية والذوقية وأن نرد الاعتبار لكل صاحب فكرة يبني عقلا وكل مبدع يغرس قيمة ولكل يد تعمل في صمت بعيدا عن أضواء الكاميرات الزائفة. لنتذكر دائما أن الريتش الحقيقي ليس أرقاما تباع وتشترى في سوق المنصات بل هو الأثر الطيب الذي تتركه في وجدان من حولك والكلمة الشريفة التي تصون الأخلاق والاحترام الذي تفرضه على الدنيا حين تقف أمام مرآة نفسك دون أن تخجل مما قدمت يداك.