زمان قالوا: «الكذب مالوش رجلين».. ربما كان ذلك صحيحًا قبل أن يمتلك الكذب إنترنت فائق السرعة.
اليوم، يستطيع شخص أن يصنع صورة لحدث لم يقع، أو صوتًا لشخص لم ينطق بما نسمعه، أو مقطع فيديو يبدو حقيقيًا رغم أن ما نشاهده لم يحدث أصلًا، ثم يضغط زرًا واحدًا.
وخلال الدقائق التي تحتاجها الحقيقة لكي تظهر وتدافع عن نفسها، تكون الكذبة قد وصلت إلى آلاف الهواتف.
هذه، في رأيي، واحدة من أخطر أزمات عصرنا: الحقيقة تحتاج إلى وقت، بينما الكذبة لا تحتاج إلا إلى هاتف.
فالصحفي الذي يحترم مهنته عليه أن يتأكد، ويتصل بالمصدر، ويفحص الصورة، ويراجع الفيديو، ويسأل مرة وربما مرتين قبل أن يقول للناس: هذا ما حدث، أما صانع الشائعة فلا يتحمل كل هذا العبء.
يكفيه عنوان مثير، وصورة مقنعة، وكلمتان سحريتان: «عاجل» و«انشر».
وتزداد المشكلة مع الذكاء الاصطناعي؛ لأننا دخلنا عصرًا لم تعد فيه أعيننا وآذاننا دليلًا كافيًا على الحقيقة، ما نراه قد يكون مصنوعًا، وما نسمعه قد يكون مستنسخًا، وحتى الوجه الذي نعرفه جيدًا يمكن أن يظهر أمامنا قائلًا شيئًا لم يقله، لكن الأخطر من صناعة الكذبة هو استعدادنا نحن لتوزيعها مجانًا.
كم مرة شاركنا خبرًا لأن عنوانه أغضبنا قبل أن نقرأه؟ وكم مرة أرسلنا مقطعًا لأن ما فيه وافق رأيًا نحمله أصلًا؟
ربما لهذا السبب لا تحتاج الكذبة دائمًا إلى جيش؛ أحيانًا نصبح نحن جنودها دون أن ندري، لن نستطيع إيقاف كل صورة مزيفة أو صوت مستنسخ أو خبر كاذب، لكننا نستطيع استعادة عادة صغيرة كادت تضيع وسط جنون السرعة: أن نتوقف قبل أن نشارك.
ففي زمن يستطيع فيه أي شخص صناعة الكذبة خلال ثوانٍ، ربما يصبح الانتظار دقيقة للتأكد موقفًا أخلاقيًا، لأن الحقيقة قد تكون أبطأ من الكذبة.. لكن علينا ألا نكون نحن من يمنح الكذبة سرعتها.