رامى محيى الدين

كلنا شهود.. فمن جعلنا قضاة؟

الخميس، 24 سبتمبر 2026 12:00 ص


زمان، عندما كانت تقع واقعة في الشارع، كان السؤال الأول: «هل شاهد أحد ما حدث؟».. أما اليوم، فربما أصبح السؤال: «هل صوّر أحد ما حدث؟».

الكاميرا التي نحملها في جيوبنا غيّرت أشياء كثيرة. أصبحت شاهدًا حاضرًا في كل مكان تقريبًا؛ توثق حادثًا، وتكشف اعتداءً، وتنصف مظلومًا، وربما تحفظ لإنسان حقًا كان من الصعب إثباته لولا بضع ثوانٍ مسجلة على هاتف.

المشكلة إذن ليست في التصوير، ولا حتى في التكنولوجيا، وإنما فيما نفعله بعد الضغط على زر التسجيل.

فبين «حفظ الفيديو» و«نشر الفيديو» ضغطة واحدة فقط، لكنها أحيانًا تفصل بين التوثيق والتشهير، وبين البحث عن الحقيقة وإصدار حكم قبل أن نعرف الحكاية كاملة.

نرى مقطعًا مدته ثلاثون ثانية، فنقرر من الظالم ومن المظلوم. نقرأ منشورًا من طرف واحد، فنصدر الحكم. ثم تبدأ محكمة مواقع التواصل الاجتماعي عملها: اتهامات، وإدانات، وبحث عن اسم الشخص وعمله وأسرته، وربما خلال ساعات يصبح إنسان لا نعرف عنه شيئًا متهمًا أمام الملايين.

 

ماذا لو ظهرت بقية الحكاية؟

ماذا لو كانت هناك دقيقة سبقت التصوير وقلبت معنى المشهد كله؟ وماذا لو كان ما شاهدناه صحيحًا بالفعل؟

حتى في هذه الحالة، هناك فرق بين أن نوثق واقعة حتى تصل إلى من يملك التحقيق فيها، وبين أن نقرر نحن الإدانة والعقوبة وننفذهما على شاشة الهاتف.

والأخطر أننا بدأنا أحيانًا نتعامل مع آلام الآخرين باعتبارها «محتوى». شخص يتعرض لحادث، وآخر يمر بلحظة ضعف، ومشاجرة في الشارع.. وفي بعض المواقف تمتد الأيدي إلى الهواتف قبل أن تمتد للمساعدة.

التكنولوجيا أعطتنا قوة لم تكن متاحة لأجيال سبقتنا. كل واحد منا يستطيع أن يسجل، وأن ينشر، وأن يجعل ما شاهده يصل إلى الملايين خلال دقائق.

 

كل قوة تفرض على صاحبها مسؤولية

من حقنا أن نوثق، ومن حق المظلوم أن يبحث عن دليل يحفظ حقه، لكن علينا أن نتذكر أن الكاميرا جعلتنا شهودًا على ما يحدث حولنا، وأن مواقع التواصل الاجتماعي منحتنا منصة نتحدث من خلالها.

أما حق إصدار الأحكام على الناس، فلم تمنحنا إياه أي منهما.

لذلك، قبل أن تضغط «نشر»، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا:

هل أوثق الحقيقة.. أم أحكم على إنسان؟

كلنا أصبحنا شهودًا...

فمن جعلنا قضاة؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة