كل الصحافة اليوم إلكترونية. الجميع تقريبا لديهم منصّات، وحتى الصُحف الورقية تُقرَأ فى أغلبها من نُسَخ رقمية عبر المواقع وتطبيقات الاتصال. وهكذا من البداية، تبدو الخناقة وهميّة تمامًا.
وأقصد ما يُثار على فترات عن المواقع الصحفية، وعضوية المُشتغلين بها فى نقابة الصحفيين. وأحدث جولاته اللغط المُصطَنَع مساء الاثنين، عقب اجتماع وزير الدولة للإعلام مع بعض الزملاء.
استنّ الوزير سُنّة حسنة، وبالجلسة المشار إليها يستكمل سلسلة لقاءاته مع أطراف الصناعة، وقد سبقت ستّ جولات مع الهيئات والنقابات والصحف والقنوات العامة والخاصة، والأخيرة كانت السابعة.
تناول ضياء رشوان مع ضيوفه غابة من العناوين؛ غير أن إرادة طرفٍ ما/ اللهو الخفى، انصرفت إلى حصرها فى نقطة واحدة، والنفخ فيها، وتطويحها فى الهواء لتنفجر فوق رؤوس الجماعة الصحفية.
سُئل الوزير فى أمورٍ شتّى: عن متاعب شباب المهنة من غير النقابيين، وعد بالتنسيق مع الجهات الحكومية لتقنين أوضاعهم مع المصادر.
وعن الأماكن نفسها اقترح عليهم أن ينتظموا فى كيان، وضرب مثالاً بغرفة صناعة السينما التابعة لاتحاد الصناعات المصرية ويقترب عُمرها من ثمانية عقود.
مساران متوازيان، ومُختلفان تمامًا، لا خلط المسؤول التنفيذى بينهما، ولا ألمح؛ ولو من بعيد، إلى أن يكون التوازى مع بيت الصحفيين، وبانتهاك للدستور فى شأن الوحدة وعدم ازدواج النقابات المهنية.
وأوّل الملاحظات؛ أن الاجتزاء وسوء التأويل إنما ينُمّ عن شبهة الغرض والانحراف بالحقائق والمعلومات، ما يطعن فى نزاهة المتورطين فيه وسلامة مقصدهم. والأخطر أنهم ربما أساءوا الفهم عن غير قصدٍ؛ ما يُشكّك فى مستوى العقلية والوعى!
وبعيدًا من الفروع والسفاسف؛ فالأولوية حسبما أراها تبدأ من تعريف المشكلة، وضبطها، والاتفاق على عناصرها الأصيلة والثانوية، من دون تأطير استباقى، أو نوايا مُضمَرة، أو مُكايدة وابتزاز واستثمار فى الفتنة.
كل السوق مواقع، كما أسلفتُ، ونصف الجمعية العمومية أو يزيد من الإلكترونيين. ثمّة عقبة قانونية لا تُمرّر المنصة الرقمية إلا تحت مظلّة ورقية، ما يعنى أن قطاعًا من المُشتغلين طريقهم مقطوع إلى النقابة.
الواقعة على تلك الصورة، بين مواقع تستوفى باقة الشروط الكاملة، وأخرى لديها عجز فى شرطٍ أساسى.. والسؤال هنا: هل هو الشرط الوحيد المفقود؟
ماذا عن البقية؟ الهياكل المؤسسية، والانضباط الإدارى والمُحاسَبى، الملاءة المالية والوفاء بالالتزامات، حقوق العاملين من تأمينات وحدٍّ أدنى للأجور، والأهم قواعد المهنة وميثاق شرفها، والاستقامة الصحفية بلا شوائب أو ممارسات شاذة ومشبوهة.
وإذا تعدّدت المآخذ والثغرات؛ فالترميم يستوجب الشمول والإحاطة والأخذ بالأولويات. نكون مؤسسات أوّلاً ثم نبحث عن الغطاء، نُقدّم أداء مهنيا منضبطا ثم نسعى لنقابة المهنة، ونُوفّى بالتزاماتنا، بالتوازى على الأقل، مع طلب الحقوق!
أعرف أن لدينا فائضًا مهولاً فى اللافتات، وعجزًا فى المضامين؛ لكننى صُدِمتُ بالرقم الذى أعلنه الوزير، عن ترخيص 281 موقعًا، يصعب على أى صحفى فى مصر أن يعُدّ ربعها، أو يعرف هُويّة القائمين عليها من الأساس.
جلسة رشوان حضرها ثلاثة وثلاثون زميلا، يُمثّلون اثنتين وثلاثين منصة تقريبًا. ما يزيد قليلاً على عشرة بالمائة من المواقع المرخصة؛ غير أن قلّة من الحضور معروفون لأهل المهنة، وأغلبهم ربما لم يسمع بهم العامّة والجمهور.
إذا كانت وسائل الإعلام مجهولة؛ فقد خسرت أولى معاركها، وافتقدت شرط التعريف والانتماء.
يُولَد الناس صغارًا ويكبرون؛ لكن الذين يبقون على حالهم مدى الحياة، وتضمُر غُدد نموّهم؛ إنما يعانون أمراضًا جينية، ويحتاجون للعلاج قبل التطبيع معهم؛ لأنهم لا يحتملون أصلاً أعباء الوجود الطبيعى الكامل.
عشرات المواقع عبارة عن هياكل فارغة، أو مشروع خاص لأغراض غير صحفية. فرد أو أكثر، وأخبار تُنزَح من المؤسسات الكبرى، وعوائد إعلانية زهيدة بالاحتيال، أو عمليات ابتزاز مُنظّمة أقرب إلى سلوك «قُطّاع الطرق».
عُرِفَت الظاهرة مع الصحف الورقية، أيام تراخيص قبرص ولندن؛ لا سيما فى الأقاليم. يحصل الشخص على رخصة؛ ثم يرمى بلاه على المحلات والتجار فى محافظته.
يجمع ما يُغطّى العدد مع هامش ربح؛ فيُسافر لتجهيزه فى «بين السرايات»، وطباعة عدّة مئات من النسخ يعود بها إلى ضحاياه.
كبر سماسرةُ الصحافة الإقليمية وصاروا زعماء عصابات رقمية. ليس الجميع قطعًا، وحتى فى الأماكن المشبوهة شباب يعملون بجدّ وضمير، ويحلمون مهنيًّا ونقابيًّا، والأحلام حقّ للجميع.
علينا أن نفتح الملف، وأن نشتبك مع كل قضايانا بلا حرج أو حساسية. وعلينا أن نُخلّص المسائل العادلة من تجارة الظالمين بها. وأوّل خطوة فى ملف المواقع؛ أن نُحرّر حقوق شبابها من شِباك تُجّارها.
لصوص الأحلام لا يجيدون تحقيقها، ومصاصو الدماء لا يهبون الناس حياة. مُفارقة مؤسفة لكنها حقيقية؛ إذ لن تعود حقوق الحملان بين مخالب الذئاب وأنياب الضباع.
البعض يتسوّلون الاهتمام، وإذ لم يجدوه فى تجاربهم الفاشلة؛ فإنهم يختارون أن يُعكّروا مياه الجميع، ليُثيروا الجدل وتتردد أسماؤهم؛ وإن بالنقد والنقض والتجريح، من باب أنه لا توجد دعاية سيئة أو جيدة؛ طالما تُحقّق الذيوع، وتجلب المنفعة المعنوية، وحبّذا لو شُبِكَ فى ذيلها القصير مُموّل أو مُعلِن.
العقلاء يناقشون الأفكار، والأغبياء يُشخصنون الوقائع، ويظل التشريع فوق الجميع، وليس شرطًا أن تكون «الشورى» صوابًا، ولا أن تطغى العطور الغالية على روائح الممارسات الرخيصة.
غُرِّر بالمُضيف وقائد الجلسة فيما يخص حال المواقع، ككيانات لا أفراد؛ إذ لا أزمة بشأن وضعها القانونى وتبعيّتها المُباشرة.
لها ربّ يُرخّصها ويُراقبها، المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مُحصّن بالدستور ولا ولاية للسلطة التنفيذية عليه، ويُمكن أن تنتظم كل المنصات فى رابطة أو مجموعة تنسيق تحت مظلّته، دون حاجة لاتحاد الصناعات.
اقترح «رشوان» غرفة صناعة الصحافة، وما فعلته بعض المواقع والقائمين عليها، لا يُوصَف إلّا بصناعة الضجيج، وصيد فى المستنقعات من جانب البعض.
غاب الكبار؛ فمُسِخَت القضيّة فى أيدى الكيانات الصغيرة. أهم وأكبر 10 مواقع فى مصر لم تكن على الطاولة، ولا أعرف هل استُبعِدَت، أم دُعِيَت ونأت بنفسها؛ المهم أنه لا يستقيم حوار بغير قُوى السوق الوازنة.
تُسَنّ القوانين لتُطَبّق؛ ثم تُبحَث وتُعدّل حال الضرورة وانكشاف العوار مع الوقت. وما بين القيد وكسره؛ ثمّة فرصة لافتكاك النفس منه. بعض المواقع قادرة على إصدار صحف، وقد فعلها واحد منها مؤخّرًا.
فلماذا قصّر القادرون على الانضواء تحت المظلة، فى مساعى الانضمام إليها، والدعوة من داخلها إلى التوسعة؟!
بعض الجرائد، بأعداد أقل وهياكل أصغر، باعت تذكرة العبور إلى العضوية والكارنيه. وبالتناسُب بين الحجم ومُعدّلات الانحراف؛ فالخطر أكبر مع المواقع، والحاجات أعظم لمعايير وضمانات مشدّدة.
والدولة طرفٌ بالمناسبة؛ لأنها معنية بالصحافة والإعلام، وستتكبّد أعباء إضافية عن زيادة الأعضاء. ويجب أن تكون شريكا فى البحث.
وأن تستشعر الجدية من النقابة فى الضبط والربط وتنقية جداولها، ومن المواقع ذاتها فى المأسسة وتماسُك الأداء، بدلاً عن السيولة والفوضى ومُطاردة الترافيك وشياطين السوشيال ميديا.
لا مشكلة بلا حل، ولا قضية فوق البحث. المهم أن تُؤخَذ الأمور بحقّها، بلا تشدُّد أو افتئات.
كلنا زملاء، ولا أحد يُحبّ أن يظلم زميلاً؛ إنما لا يحب أيضا أن يظلم نفسه بمن يتلاعبون بالمهنة والزملاء!
إذا كُنّا لا نعرف تسعين بالمائة من المواقع المرخصة؛ فنحن إزاء أبنية كرتونية. والعُشر الباقى عليه أن يسدّ الذرائع ويتّقى الشبهات، ثم يجتهد فى بناء الثقة وتبديد المخاوف؛ وسيجد النقابة وجمعيتها العمومية مُقبلة عليه أضعاف إقباله على المهنة بحقٍّ وشَرف.