عادل السنهورى

زكريا الحجاوي... ومؤتمر «الهوية الوطنية»

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 05:03 م


خلال الأيام الثلاثة الماضية، رأيت طيف زكريا الحجاوي، رائد الفن الشعبي وعاشق المداحين وكبير حراس الهوية الوطنية، على شاطئ الإسكندرية، يرنو إلى منطقة الأزاريطة والشاطبي، حيث مقر مكتبة الإسكندرية ومبناها الفخم الذي يشبه قرص الشمس الساطع، شامخًا فوق مياه وأمواج المتوسط.

تحتضن المكتبة بين جدرانها مؤتمرًا غاية في الأهمية للوطن وللناس، بعنوان «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، بحضور استثنائي لوزارات وهيئات وشخصيات حكومية وإعلامية وثقافية، وفي توقيت تواجه فيه مصر تحديات صعبة تهدد هويتها الثقافية والاجتماعية التي تميزت بها عبر عصور التاريخ المختلفة، وتصبح فيه الحاجة ماسة إلى إعادة صيانة مفهوم الهوية الوطنية وحمايته من التشويه والتزييف، وترسيخ مفهوم الانتماء لدى كافة أبناء الوطن، بتوظيف أدواته الفنية والثقافية والتعليمية والعلمية كافة، ومؤسساته المدنية والشعبية والرسمية.

تابعت من القاهرة فعاليات المؤتمر، وتفحصت محاوره وأجندته وشخصياته المدعوة للحضور وإثبات الحضور بكلمات أو ببعض الكلمات عن الهوية والرسوخ والجذور.

لم أجد بين الحضور اسم زكريا الحجاوي، ومن غيره ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالهوية الوطنية؟ ومن غيره ظل باحثًا عن هوية الوطن الثقافية، حتى وجد ضالته في فنون الشعب الأصيلة التي كانت تنتظر من يُخرجها من أعماق الريف الطيب، من الإسكندرية حتى أسوان؟

ظل الحجاوي باحثًا ومنقبًا في البوادي والفيافي والبراري عن منابع الفنون الشعبية ومفرداتها، وعن تلك السياحات الثقافية الممتعة التي كان يعرض خلالها عصارة وخلاصة ما جمعه من مفردات الفن الشعبي والموال، عبر الاحتفاليات الوطنية والمناسبات والمسامرات والمهرجانات الثقافية.

فهو صاحب فكرة مسرح السامر والثقافة الجماهيرية، وأول من دعا إلى إنشاء قصور الثقافة. أصبح مثل «شجرة الجميز» ـ كما يصفه يوسف الشريف في كتابه «موال الشجن في عشق الوطن» ـ حينما كانت أبرز معالم الجمال في الريف المصري، والتجسيد الحي لتقاليده العريقة في الجود والكرم.

كانت تلك شجرة زكريا الحجاوي الثقافية التي تذكرنا بحكيم الصين العظيم كونفوشيوس، فقد زرع نبتة شجرة قبل وفاته منذ ثلاثة آلاف عام، ولا تزال حتى اليوم عفية ومورقة، حتى يتسنى للصينيين أن يسعدوا ويفخروا بكنوز اكتشافاته لموروثهم الشعبي والحضاري الزاخر بالحكمة والخير والجمال، والذي أصبح بمثابة الهوية الوطنية للصين.

كان قلبه ينبض دومًا بمصر وبالإنسان، فأحبته مصر وأحبه الإنسان فيها. بحث في أرضها عن الأصالة، وفي طينها عن العراقة والقدم والفن الأصيل والتراث الضائع، وعن حضارة غير مكتوبة على شاطئ نيلها، فأصبح راهبًا في محراب الفن الشعبي، وشيخ مشايخه، ومكتشف أسرار العاشقين والفنانين الذين ألهبوا القلوب بحب مصر.

تصورت أن مؤتمرًا على هذا القدر من الأهمية كان من المفترض أن يستحضر ويستدعي تجارب عملية رسخت، بأفعال وإنجازات حقيقية، معنى ومفهوم الهوية والانتماء، مثل تجربة زكريا الحجاوي ويحيى حقي والدكتور أحمد مرسي، وأن يناقش كيف يمكن استلهام تلك التجارب والاستفادة منها بأدوات العصر وتطوراته، التي لم يغفل عنها هؤلاء الرواد العظام.

ففي إحدى مؤلفاته وكتاباته، يجيب الدكتور أحمد مرسي، أحد رواد الأدب الشعبي في مصر، الذي ترأس دار الكتب والوثائق القومية وكان عميدًا للمعهد العالي للفنون الشعبية، عن سؤال طرحه مؤتمر مكتبة الإسكندرية: وماذا يفيد الفولكلور في عصر المعلوماتية والحداثة وإعلام المواطن والتواصل الاجتماعي وثقافة الصورة؟

يجيب الدكتور مرسي:

«هناك كثير من التحولات التي يشهدها العالم المعاصر بتأثير التطور السريع لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وأن هذه التحولات قد تؤدي بدورها إلى تهديد خطير لوجود هذه المأثورات ذاتها وما تعبر عنه من خصوصية وهوية، وما تبدو عليه من أشكال ثرية متنوعة. ولن يتحقق صون الهوية أو الانتفاع بما يمكن أن تسهم به هذه المأثورات في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ما لم يتحقق ما جفت ألسنتنا من تكراره من ضرورة جمع هذه المأثورات وإعداد قوائم البيانات العلمية الخاصة بها التي تثبت ملكيتنا لها وإدراكنا لأهميتها، واقتناعنا بدورها الذي لا غنى عنه».

ولكن كيف لم تُستغل هذه الثروة الهائلة من التراث الثقافي غير المادي على شاشة التليفزيون، ليرى الناس فيها صورتهم الحقيقية وجوهرهم الصافي؟

يقول الدكتور مرسي ـ رحمه الله ـ:

«لدينا كل الاستعدادات العلمية والفنية، وكل الإمكانيات التي نزود بها من يرغب في طرحها وعرضها واستعراضها، خاصة في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، كما أن هذه المواد تمثل معينًا لا ينضب للدارسين في المراكز والمعاهد والجامعات».

مثل هذه التجارب كان من الممكن أن تشكل محورًا رئيسيًا لمؤتمر الهوية، إلى جانب تجارب عصرية داخل دار الأوبرا المصرية، ربما أهمها تجربة «أرواح في المدينة»، وهو مشروع ثقافي وتاريخي يتولاه الإعلامي والباحث محمود التميمي للاستماع إلى تاريخ الحياة اليومية والذاكرة الوطنية في مصر وتوثيقهما، إضافة إلى عدد من الإصدارات الأخيرة التي حاولت توثيق هذا التراث بمجهود فردي.

الهوية الوطنية لا تقتصر فقط على مؤتمر، مع تقديرنا لأهميته وأهمية المكان الذي نظمه واستضافه، وهو مكتبة الإسكندرية العريقة. فالحكومة وحدها ليست المسؤولة عن حماية الهوية الوطنية وصيانتها والحفاظ على متانتها، وإنما هي مسؤولية مشتركة لإعادة صياغة مفهومها مرة أخرى، في ظل العدوان المتكرر على العقل المصري بمفاهيم غريبة ومشوهة.

وفي القلب من ذلك، تأتي الرؤية الواضحة للسياسات العامة للدولة، والإرادة الحقيقية لتنفيذ تلك السياسات، بتسخير الأدوات كافة، من القاع إلى القمة، وليس العكس؛ انطلاقًا من الشارع والحارة والقرية إلى المدينة، بمشاركة حقيقية وفاعلة من كافة فئات المجتمع في المدارس والجامعات والمصانع والمؤسسات الحكومية، لتصحيح المفاهيم المغلوطة وترسيخ معاني وقيم الانتماء، وبالتالي صيانة الهوية الوطنية للمجتمع وحمايتها.

هناك أهمية حتمية الآن للوعي بالهوية الوطنية والالتزام بها لتحصين النسيج الاجتماعي، حتى تعجز مكائد الطامعين وأهواء الفاسدين عن اختراقه.

أتمنى أن تكون تلك هي البداية التي تتبعها مؤتمرات حقيقية تُقدَّم فيها أوراق وأبحاث علمية تستعرض تجارب الماضي والحاضر، وتقدم تشخيصًا وحلولًا واقعية للتحديات التي تواجه الهوية الوطنية المصرية، وبالتالي الأمن القومي المصري، وتفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة