لم تستطع الحاجة نفيسة محمد مصطفى، السيدة الثمانينية من قرية كفر الجبارة بمركز فاقوس في محافظة الشرقية، استكمال تعليمها قبل نحو 65 عامًا، بعدما حصلت على الشهادة الإعدادية وكانت تحلم بالالتحاق بمدرسة المعلمين، لكن شقيقها الأكبر رفض سفرها خارج المركز خوفًا عليها، لتتوقف رحلتها مع التعليم عند هذه النقطة.
مرت السنوات، وتغيرت تفاصيل الحياة، لكن حلم التعليم ظل حاضرًا في ذاكرتها، حتى رأت أطفال قريتها يقطعون مسافات يومية إلى القرى المجاورة من أجل الذهاب إلى مدارسهم، فقررت أن تفعل شيئًا لم يكن متاحًا لها في طفولتها، وأن تمنح أبناء قريتها مدرسة داخل قريتهم.
في عام 2014، اتخذت الحاجة نفيسة قرارًا بالتبرع بنحو 9 قراريط من الأرض التي ورثتها عن والدها، من إجمالي مساحة تبلغ نحو فدانين ونصف، لإنشاء مدرسة للتعليم الأساسي.
لم يكن هدفها تحقيق أي منفعة شخصية، وإنما أرادت أن تتحول الأرض إلى صدقة جارية عن والدها وزوجها وأبنائها، وأن يستفيد منها أطفال القرية وأجيال متعاقبة.
بدأت إجراءات التبرع باسم نجلها خالد محمد صلاح، الذي تولى استكمال الإجراءات، لكن الحكاية تعرضت لاختبار صعب عندما رحل خالد عام 2016 إثر أزمة قلبية، قبل أن يرى المدرسة التي كان جزءًا من حلم إنشائها.
ورغم رحيل ابنها، لم تتراجع الحاجة نفيسة عن استكمال ما بدأته.
على مدار سنوات، واصلت متابعة الإجراءات بمساعدة أبناء القرية وأصدقاء نجلها، حتى تسلمت هيئة الأبنية التعليمية الأرض العام الماضي، وبدأ تنفيذ المدرسة، لتتحول سنوات الانتظار إلى واقع.
وبعد الانتهاء من أعمال الإنشاء، حملت المدرسة اسم نجلها الراحل «خالد محمد صلاح»، لتظل ذكراه مرتبطة بمكان يستفيد منه أطفال القرية كل يوم.
وأقيمت المدرسة على مساحة 1339 مترًا مربعًا، وتضم 11 فصلًا دراسيًا، إلى جانب قاعات لرياض الأطفال، فيما بلغت تكلفة إنشائها 19 مليونًا و437 ألف جنيه.
وخلال افتتاح المدرسة، حرص المهندس حازم الأشموني، محافظ الشرقية، على تكريم الحاجة نفيسة، تقديرًا لدورها وتبرعها بالأرض لإقامة المدرسة.
لكن القيمة الحقيقية في حكاية الحاجة نفيسة لا تتوقف عند التبرع بالأرض أو بناء المدرسة، وإنما في الدافع الذي بدأ منه كل شيء؛ امرأة لم تستطع استكمال تعليمها، لكنها عندما رأت أطفال قريتها يواجهون المشقة نفسها في الوصول إلى مدارس القرى المجاورة، قررت أن تمنحهم فرصة لم تحصل عليها هي.
وبعد سنوات طويلة من الانتظار، وقفت الحاجة نفيسة أمام المدرسة التي حلمت بها، وقالت: «الحمد لله الذي أمد في عمري لأحضر هذا اليوم وأرى أبناء القرية يتعلمون في قريتهم».
جملة تختصر حكاية امتدت لعقود، بدأت بحلم فتاة لم تستطع استكمال تعليمها، وانتهت بمدرسة تحمل اسم ابنها الراحل، وتفتح أبوابها لأطفال قريتها.
وهكذا تحولت قطعة من ميراث الحاجة نفيسة إلى طريق للعلم، وأصبح حلمها القديم فرصة جديدة لأجيال لم تولد بعد.