مجدى أحمد على

يا سينما يا غرامي من عين مساعد المخرج 6

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 04:05 م


 كان حديثي عن (مساعد المصور)، هذه المهنة التي اختفت مع التقدم التكنولوجي، أقل ما تستحق من رد الاعتبار لكل المعاناة والمسؤولية لقاء جنيهات قليلة؛ فالمساعد كان يقوم (في وقتها) بمهام يقوم بها الآن (أربعة أفراد أو أكثر) بين "Focus Loader" و"سكريبت" وغيرهما.


رغم أن مشكلة الخام انتهت بظهور الديجيتال، إلا أنني لا يمكن أن أنسى "عم إسماعيل" وهو يستبدل الخام في الغرفة المظلمة ويضعه في الأكياس السوداء ويسلمه لمساعدي الإنتاج، للذهاب به إلى المعمل، حاملًا جهد كل العاملين في الفيلم أمانة في عنقه، وعنق مدير التصوير بالطبع، الذي كان كل منهم يرتاح إلى مساعد بعينه، لا يغيره أبدًا ولا يطمأن لغيره، لدرجة أن يشترط التعاقد معه في نفس وقت التعاقد معه شخصيًا.


وتقودني ذكريات العمل كمساعد مخرج إلى تذكر مهنة أخرى، أعتقد أنها مستمرة حتى الآن وإن اختلفت الوسائل والمهارات مع التقدم التكنولوجي؛ وهي مهنة "الماشينيست". وهو المسؤول بالكامل عن أغلى جزء في عملية التصوير وهي الكاميرا.


هو المسؤول عن حملها من موقع إلى آخر وتركيبها في المكان المطلوب، سواء كان "ترايبود" (حامل الكاميرا) أو "شاريو" (حامل خاص تتحرك عليه الكاميرا فوق قضبان) أو "كرين" ("الشاريو" الذي يعمل بذراع تستطيع به الكاميرا الحركة صعودًا وهبوطًا وفي كل اتجاه).


الماشينيست كان مسؤولًا عن سلامة الكاميرا، وحُسن تركيبها وضبط اتزانها الأفقي باستخدام ما كان يسمونه وقتها "ميزان المَيّْه"، مثل الذي يحمله مُبلِط السيراميك اليوم. وطبعًا لا بد لهذا الميزان أن يكون سليمًا وإلا ظهر الكادر مائلًا دون ضرورة درامية، وتبلغ الصعوبة مداها أثناء حركة الكاميرا باستخدام "الشيريو" (على قضبان حديدية) فكان عليه استخدام ما يعرف وقتها بـ"الأسافين"؛ وهي قطع خشبية ذات شكل مثلث مختلفة الارتفاعات توضع تحت القضبان لضبط الاتزان أفقيًا.


كما أن "الشاريو" نفسه يُدفع باليد مهما كان ثقيلًا (فبخلاف وزنه ووزن الكاميرا يقف عليه الكاميرا-مان والمساعد)، إضافة إلى ذلك كان من مهام الماشينيست (تزييت) العجل الحديد للشاريو باستمرار، كي لا يحدث صوتًا عند سيره على القضبان. وهذا الأمر كان شديد الصعوبة لدرجة أنني أسمع (حتى الآن) صوت "الشاريو" في بعض الأفلام القديمة، التي كان صانعوها يتجاهلون إمكانية عمل (دوبلاج) لصوت الممثلين لأسباب كثيرة، وكانوا يراهنون على أن الجمهور العادي لن يميز صوت (التزييق) المصاحب للمشهد المنشغلين بمتابعته.


كانت وظيفة الماشينيست من الوظائف الهامة في أي فيلم، وكان عدد الممتازين منهم قليل جدًا، منهم "عم سالم" الذي كان يعمل دائمًا مع يوسف شاهين، ومنهم من تعرفت عليه وأعجبت به كثيرًا مثل عم "محمود شعبان". كان "محمود شعبان" شخصًا ذو شخصية قوية ومحببة، قليل الكلام، يفهم رغبة المخرج بسرعة ويتصرف من تلقاء نفسه حين يشرح له المخرج أو المساعد تفاصيل اللقطة، ويشرع فورًا في التنفيذ ونقل الأوامر لمساعديه (الذين يتراوح عددهم بين اثنين أو ثلاثة) وكانوا يعتبرونه أبًا لهم ولا يناقشونه، بل ينتظرون إشارته ونظراته الصارمة أثناء تنفيذ اللقطة.


كان معنا "محمود شعبان" خلال تصوير فيلم (زينب ويوسف) في جزر المالديف، وكان المخرج "محمد خان" قد استعان (تخفيضًا للنفقات) بكاست تصوير ومعدات تصوير وإضاءة من الهند، وبما أنه لا يستطيع الاستغناء عن "عم محمود"، فقرر أن عليه أن يتعاون مع الكاست الهندي الذي لا يعرف معظمه حتى اللغة الإنجليزية، و"عم محمود" لا يعرف من الإنجليزية إلا "أوكي" و"ثانك يو".


وفي اليوم الأول كان المشهد غريبًا؛ معدات جديدة متطورة قليلًا ومختلفة عما ألفه "عم محمود" ومجموعة من العمال الهنود ينظرون بكثير من الشك إلى الشخص الذي من المفروض أن يكون قائدهم ويصدر لهم الأوامر الدقيقة المناسبة، وبقينا (محمد خان وأنا) نتأمل الموقف.. فماذا فعل "محمود شعبان"؟!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة