محمد تهامي زكي

لا تحزن يا صديقى.. حمزة سبقك إلى الجنة

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:09 ص


يقولون إن اللغة خلقت لنعبر بها عن مشاعرنا، لكنها تصبح عاجزة ومشلولة حين نقف أمام فاجعة تخالف ترتيب الطبيعة المألوف، فليس في نواميس القلوب أن يودع الأب طفله وليس في طاقة الروح أن تواري قطعة من كبدها تحت الثرى، ثم تمضي في الحياة وكأن شيئاً لم يكن.

إلى صديقي وأخى "أحمد":

   أعلم أن الهواء في صدرك اليوم أثقل من الجبال، وأن البيت الذي كان يضجّ بضحكات "حمزة" صار موحشا وباردا كغيمة شتاء، أعلم أن كل زاوية، كل لعبة وكل تفصيلة صغيرة باتت نصلًا يجرح الذاكرة، أعلم فوق كل ذلك أنك عشت أياما وأنت تبتلع غصتك، تبتسم في وجه صغيرك لتمنحه الأمان بينما قلبك يتقطع وأنت تراه يقارع وجعا لا تقوى عليه أجساد الكبار، فكيف بجسده الغض الرقيق.

لم يكن "حمزة" مجرد طفل مر في هذه الدنيا سريعا، بل كان نفحة من الجنة حلت في بيتك لتعلمنا معنى الصبر، وترينا طهر الملائكة المتجسد في ابتسامة طفل لم يدنسها العالم، لم تكن معركته مع المرض هزيمة أبدا يا أحمد، إنها لم تكن سوى استرداد الأمانة لصاحبها، كان حمزة أطهر وأعذب من أن يحتمل صخب الأرض وآلامها فنادته السماء ليرتاح.

تلك الأدوية التي أرهقت كفيه الصغيرين، وتلك النظرات التي كان يرمقك بها وسط حمأة الألم باحثا في عينيك عن طوق نجاة، وتلك الليالي الطوال التي قضيتها ساهرا ترقب أنفاسه،  كل ذلك لم يضع هباء، لقد كُتبت كل دمعة في ميزان صبرك وكُتب كل وجع في سجل نقائه، وها هو اليوم طليق حر لا يشتكي سقما ولا يئن من وجع ولا توقظه وخزات الإبر، لقد استبدل مشافي الأرض بقصور الجنة، وظلمة المرض بنور لا ينطفئ.

حمزة
حمزة


يا أحمد، لا أقول لك لا تحزن، فالدمع حق للقلب المكلوم، والنبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم وقال: "إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا"، ابك يا صديقي ليرتاح صدرك، لكن لا تنس أن حمزة لم يمت.. بل في الحقيقة سبقك بخطوات إلى هناك حيث لا فراق ولا مرض، لقد صار لك في السماء شفيع وسفير طاهر، طائر من طيور الجنة ينتظر على أبوابها، يأخذ بيدك ويد أمه ليقودكما إلى بيت الحمد وجنات الخلد والنعيم.

نعلم جميعا أن الغياب مر، وأن الفراغ الذي تركه حمزة أكبر من أن تملأه كلمات المواساة، لكن عزاءنا الوحيد هو الإيمان بأن الله اختاره لأنه يحبه، واختارك لهذا البلاء لأنه يعلم عظم صبرك.
رحم الله "حمزة" الملاك الصغير الذي علمنا كيف نحب الحياة وكيف نتألم بصمت، وربط الله على قلبك يا صديقي وعلى قلب والدته الصابرة، وأنزل على بيتكما سكينة وبرداً وسلاماً، ونامي أيتها الروح الطاهرة قريرة العين.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

حمزة.
حمزة



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة