محمود عبد الراضى

عدسة تحفظ الحق أم تهتك الستر؟

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 09:43 ص


تطالعنا الشاشات كل يوم بآلاف الوجوه التي لم تطلب الضوء، بل سِيقَت إليه قسراً عبر عدساتٍ لا ترحم، في زمنٍ صار فيه كل هاتف مكانا للإفتاء أو محكمةً للشهود، غدا التوثيق هوساً، والفضول مهنة، واختلّ الميزان بين صيانة الحق وتتبع العورات.

الخصوصية ليست مجرد رفاهية إلكترونية، بل هي العِرْضُ والسكينة وما يُستتر به خلف الأبواب، والاعتداء عليها بالتصوير في لحظات ضعف أو غفلة هو سهمٌ يُمزق أمان الإنسان، حتى وإن لم تُغادر الصور أجهزة التقاطها، فالعين التي تسرق الهيئة بغير إذن، أختٌ لليد التي تسرق المال، ولعلها أشدّ إيلاماً.

ومع ذلك، لا نغفل أن الواقع قد يُكره المرء على التوثيق؛ فهناك ظروفٌ تجعل من العدسة ملاذاً أخيراً لإثبات حَقٍّ أو دفعِ ظُلمٍ أو تقديمِ دليلٍ لجهةِ اختصاص.

هنا تنزل العدسة منزل الضرورة الفقهية، والضرورة تُقدَّر بقدرها، يُلتقط المشهد ليدخل أروقة العدالة، لا ليُعرض في سيرك التواصل الاجتماعي.

لكن المعضلة تبدأ حين يتحول التوثيق من درء المفاسد إلى جلب الفضائح، ومن حفظ الحقوق إلى ممارسة الابتزاز، ليحلّ الضرر الأكبر محلّ الضرر الأصغر.

إن نشر المقاطع المصورة على المنصات الرقمية بحجة التوثيق هو تعدٍّ ثانٍ أشد قسوة من الأول، تعثّر الإنسان في كبوةٍ أو وقوعه في موقف محرج لا يجعل من كرامته مشاعاً للمتفرجين، ولا يُبرر حصد التفاعلات على حساب آلام الناس.

من يلهث خلف إعادة النشر وزيادة المشاهدات يتشارك في الإثم والإيذاء مع صاحب الكاميرا الأول، إذ يُوسع دائرة الجرح ويمنحه خلوداً زائفاً على الشبكة.

إن الستر على العاثرين فضيلة أدبية وقيمة إنسانية شريفة، تحمي المجتمع من شيوع الفاحشة، وتمنح المخطئ فرصة العودة دون أن تطوق عنقه وصمة عار تلاحق نسله، ولنا في الهدي النبوي الشريف أسوة حين حذّر من تتبع العورات واقتحام حرمات الناس.

الحياة الخاصة ليست كلأً مباحاً ترتع فيه شاشات الآخرين، وعيون المجتمع الواعي يجب أن تكون حارسةً للكرامة لا هتاكةً للستر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة