في مثل هذه الأيام من عام 680 ميلادية، وفي سياق الأحداث التي أعقبت تولي يزيد بن معاوية الحكم، خرج الإمام الحسين بن علي من مكة متجهًا إلى العراق، استجابة للدعوات المتكررة التي وصلته من أهل الكوفة، الذين أعلن عدد كبير منهم تأييده ودعوته إلى القدوم إليهم، وكان هذا القرار بداية المرحلة الأخيرة من مسيرته التي انتهت بمقتله في واقعة كربلاء.
وبحسب ما يورده عباس محمود العقاد في كتابه «أبو الشهداء.. الحسين بن علي»، بدأت القصة بعد وفاة معاوية وتولي يزيد، حين طلب الأخير من والي المدينة أن يأخذ البيعة من عدد من الشخصيات التي لم تكن قد قبلت مبايعته، وفي مقدمتهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير.
كان الحسين قد غادر المدينة متجهًا إلى مكة، حيث أقام نحو أربعة أشهر، بينما بدأت تصل إليه رسائل متتابعة من أهل العراق، وبصفة خاصة أهل الكوفة، يدعونه إلى القدوم ويؤكدون استعدادهم لنصرته، ووصلت إليه، وفق رواية العقاد، رسائل تقول: إن في الكوفة عشرات الآلاف ممن يمكن الاعتماد عليهم في نصرته.
ولم يتعامل الحسين مع هذه الدعوات باعتبارها أمرًا محسومًا، وإنما آثر التحقق منها، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليستطلع أحوال أهلها، ويتبين حقيقة موقفهم، ويمهد لأمر البيعة إذا وجد منهم استعدادًا حقيقيًا.
مسلم بن عقيل في الكوفة
وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة، واجتمع حوله عدد من أنصار الحسين، وأخذت البيعة له نيابة عن ابن عمه، ومع اتساع التأييد، أرسل إلى الحسين يخبره بما رآه من استعداد أهل الكوفة، ويحثه على القدوم.
وفي هذه الأثناء، كانت السلطة الأموية قد أدركت خطورة تطور الأحداث، واتخذت إجراءات لإضعاف حركة مسلم بن عقيل، وانتهى الأمر بمقتله وتفرق كثير ممن كانوا قد اجتمعوا حوله.
وهنا تغيرت صورة المشهد بصورة جذرية، فالدعوات التي خرجت من الكوفة كانت قد شجعت الحسين على التفكير في الرحيل إليها، لكن الأحداث التي سبقت وصوله كشفت عن واقع سياسي مختلف، بعدما تمكنت السلطة من تفكيك الحركة المؤيدة له.
ابن عباس يحذر الحسين
ومن أبرز المواقف التي ينقلها "العقاد" في هذا السياق موقف عبد الله بن عباس، الذي كان من أكثر المقربين إلى الحسين، والذي حاول إقناعه بعدم الذهاب إلى العراق.
فقد سأله ابن عباس عما أشيع من عزمه على التوجه إلى العراق، فأجابه الحسين بأنه عازم على المسير، وحذره ابن عباس من الذهاب للعراق، ونصحه بأن يبقى في مكة، باعتباره سيد أهل الحجاز، وأن ينتظر حتى يتأكد من قدرة أهل العراق على مواجهة خصومهم قبل أن يقدم إليهم، واقترح عليه، إذا كان لا بد من الخروج، أن يتجه إلى اليمن، مشيرًا إلى ما فيها من الحصون والشعاب وإلى وجود أنصار لأبيه فيها.
لكن الحسين، وفق رواية العقاد، كان قد اتخذ قراره بالفعل، وقال لابن عباس إنه يعلم نصحه وإشفاقه عليه، لكنه أزمع المسير، ولم يتوقف ابن عباس عند ذلك، بل طلب منه ألا يصطحب أبناءه ونساءه وأهل بيته، محذرًا من أن يكون خروجهم معه خطرًا عليهم إذا انتهى الأمر إلى القتال.
من مكة إلى العراق
كان خروج الحسين من مكة في ظل ظروف شديدة التعقيد؛ فمن ناحية، كانت هناك دعوات متكررة من أهل الكوفة، ومن ناحية أخرى كانت الأخبار القادمة من العراق تحمل مؤشرات على تغير الموقف، بعد مقتل مسلم بن عقيل.
وبحسب المادة التي يقدمها العقاد، فإن الحسين كان خلال الأشهر التي قضاها في مكة يتلقى الدعوات المتتابعة من مناطق مختلفة، لكنه لم يقرر الاستجابة لها قبل أن يرسل مسلمًا ليستطلع حقيقة الأمر.
وهكذا لم يكن خروج الحسين مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، وإنما كان قرارًا سياسيًا اتخذه في لحظة كانت فيها الخلافة الأموية تعيد ترتيب موازين القوى، بينما كان العراق يشهد انقسامًا بين أنصار السلطة ومن أعلنوا تأييدهم للحسين.
ومع مغادرته مكة، دخلت الأحداث مرحلة جديدة انتهت بالمواجهة في كربلاء، حيث استشهد الحسين وعدد من أهل بيته وأنصاره، لتصبح الواقعة واحدة من أكثر الأحداث حضورًا وتأثيرًا في الذاكرة الإسلامية والتاريخ السياسي للعالم الإسلامي.
وتكشف رواية "العقاد"، أن قرار الحسين بالخروج إلى العراق لم يكن وليد لحظة واحدة، بل سبقه خلاف سياسي في المدينة، ثم انتقال إلى مكة، ثم أشهر من الرسائل والدعوات من الكوفة، ثم إرسال مسلم بن عقيل لاستطلاع الموقف، وأخيرًا اتخاذ قرار الرحيل رغم التحذيرات التي تلقاها من المقربين منه، وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس.