يعتقد الصهاينة أن ما لا تُصلحه القوة؛ فالسبيل إليه بمزيد من القوة. جرّبوها وأفلحت كثيرًا، كما تعثّرت أحيانًا؛ لكنها تظلّ فكرة حيوانية، ضد التعايش، وتُناسب المغرمين بسرديّة «الحياة على حدّ السكّين».
وإلى ذلك؛ فإنها تصلح تمامًا للمتوسّطين فحسب، لا فوق هذا ولا دونه.
الضعيف يجب ألا يحتكم للقوة من الأساس، واستمراؤها يُكبّده أعباء لا طاقة له بها. وأصحاب القوّة المُفرطة ينبغى أن يتحرّكوا بحساب، لا إفراط ولا تفريط، وفاعليّتهم مرهونة بالنوعية لا بالكَمّ.
وإذا كان فقراء العافية محكومين بالردع غالبًا؛ فمأزق العُتاة المُتجبرين أكبر؛ لأنهم إن قلّصوا المنسوب تساووا مع الأقل، وإن زادوه استهلكوا قدراتهم.
وليسوا كالبقية قادرين على رفاهية الوقت، ولا على التمايز عنهم بالتصعيد إلى الذروة.
يتعيّن على الامبراطوريات أن تكون كريمة فى الصداقة، وبخيلة لأقصى مدى فى العداء. تحتاج لكَسر الخصوم بقسوة بين وقتٍ وآخر؛ إنما الغالب على سلوكها أن تُرهبهم بالتلميح والتصريح، وأن تنتصر بالرُعب من أبعد مسافة مُمكنة.
عندما نظّر الأمريكى جوزيف ناى عن «القوّة الناعمة»، وكيف تُخلَق الاستمالة لتصعد رويدًا نحو المطاوعة والاحتواء؛ فإنه كان يُوصِّف سلوك بلاده المُضمَر فيما قبل، وينصحها فى الوقت ذاته لعُمرها الامبراطورى اللاحق.
يُقاس الردع بتجنّب القتال أصلاً، ويسقط مع بدايته. والكبار تهتز صورتهم بالتمرّغ فى التراب، ويتجرأ الصغار عليهم بالنظر والتجربة، وكُلّما اختُبرِت الافتراضات وتظهّرت حقائقها للعيان.
باختصار؛ ارتكب البيت الأبيض أكبر حماقاته بدعوة الإيرانيين إلى الرقص دون سببٍ قاهر، وإطالة الرقصة بلا حاجةٍ أو منفعة، وباستنزاف ذاتها من حيث تفترض أنها تعتصر العدوّ أو تخنقه بطوق النار والحصار.
خسرت طهران ما يتعذّر حسابه فعلًا، وتقف اليوم أضعف من أى وقت مضى. إلا أنها خُيِّرت بغلظة بين وجودها والعدم، وأُلصِق ظهرها بالجدار، وما فُتِحَت لها ثغرة للهرب.
ناهيك عن أن التحرُّش بها كان طارئًا، غير مُبرّر، وعلى ساعة نتنياهو ومصالحه، لا بما يتناسب مع ترامب وأولوياته المُعلنة.
وإذ أُبعِدت إسرائيل عن الميدان، بإرادتها أو بإملاء من الحليف الأكبر؛ فالمعركة صارت أمريكية خالصة، فى أعبائها المادية المباشرة، وفى انعكاساتها غير المباشرة على المكانة والهيبة، وتذكيرها بسوابق الخيارات الخاطئة والانتحارات المجانية الشبيهة!
ما أكثر حروب الولايات المتحدة، وما أقل انتصاراتها. لعلّ آخرها عندما ألقت قنبلتيها الذريتين على اليابان؛ فأجبرت امبراطورها على إعلان الاستسلام!
فى الحرب العالمية الأولى التحقت متأخرة، ولم تكن أكبر الرابحين منها، وسارت بين متساوين فى رحلة الخروج، أو ربما تلت بعض حلفائها فى الترتيب.
يُمكن استثناء جولة التحالف الدولى لتحرير الكويت؛ إذ لم تكن معركة قياسية أو بين أنداد، وحُسِمَت قبل اتخاذ قرار الدخول فيها من الأساس.
أما قبل ذلك وبعده؛ فلم يُحالفها النجاح فى الحرب الكورية، كما أُهينت لاحقًا فى فيتنام.
سحقت أفغانستان لتخليها من العَظْم/ طالبان؛ ثم أعادتها للحركة بعد عشرين سنة كاملة.
لفّقت التهمة للعراق؛ لتُلحقه بقافلة الثأر بعد أحداث 11 سبتمبر. وبعد جسرٍ من المال والدم يتخطّى مساحة بلاد الرافدين؛ فإنها ليس أفضل حالا اليوم من زمن صدّام.
ازداد شَوكُ البستان وثعالبه، وأُسقِطَ تُفّاحه الناضج والأخضر، وما فى علم الغيب أيضًا، فى حِجْر بديل أردأ/ نظام الملالى فى إيران.
ولأن واشنطن لن تُقدِم على استخدام سلاحها النووى؛ فالغالب أنها لن تحسم المواجهة مع نظام الولى الفقيه؛ أكان على صورته القديمة، أم يضع حاليا قبّعة عسكرية فوق عمامته السوداء.
وذلك؛ فضلاً على أنها لن تحتاج لتكرار خطاياها فى كابول وبغداد؛ إذ لم ترحل العمائم أصلاً لتُستَعاد، وسترثُ الأُصوليّة المُتمكّنة نفسَها؛ مهما تقلّبت الأحوال!
استُدرج ترامب إلى الحرب؛ ثم أطفأها وأشعلها، ويتردد بين الحالين. وبينما يُحصى الأيام قبل الانتخابات؛ فإنه لا يتوقّف عن التهديد والوعيد، وقد يذهب إلى جولة جديدة فى أى وقت.
يفتقد الرجل للاستراتيجية، والمؤكد أنه لا يفهم فى العسكرية وأشغالها. غير أن مؤسساته على علمٍ وافٍ بالذات والآخر، وحذّرته استباقًا وما تزال، وأحدثها الإشارة مؤخّرًا إلى أن الصراع قد يطول لنهاية الولاية، وليس لمِا بعد تجديد الكونجرس كما قال.
بكل الحسابات، لم تنتصر الولايات المتحدة، ولا خسرت أيضًا، والجمهورية الإسلامية كذلك. وأقرب وصفٍ أنهما هُزِمَا معًا، والمُناطحة الدائرة على قِسمة الكُلفة لا أكثر، والمراوغة بغرض التهرُّب من الأنصبة!
خلعت إيران ملابس الشرطىّ الإقليمى، وارتدت عباءة الداعية والقيّم الأخلاقى منذ زمن طويل. هدمت صِلَتها المعرفية والحضارية السابقة بالغرب، وأسّست الجديد على الأيديولوجيا.
وإذ اتّخذت صيغة دينية، وجعلت العداء عقيدة؛ فلن تحيد إلا بانكسارها أو انكسار الآخر، والمكاسب ستُحفّزها، والخسائر ستعدّها جهادًا فى سبيل الله، وتضحيات زهيدة وضرورية لأجل غايات سامية.
رفع ترامب عصاه قبل أن يحسب المسافة مع الذئب. ارتبك فى الاستراتيجية بين الترويض والتصفية؛ فتعثّر فى التكتيك، وما وصل إلى هذا أو ذاك.
أما مواطنه على الجانب الآخر من العالم، فلا يعرف من الجغرافيا إلى إطار الخريطة الأمريكية، ومعالم طريقه اليومى، وكيف يصل إلى عمله ومحطة الوقود.
وجالون الديزل بلغ 6 دولارات، وإزاء أعبائه الخاصة فليتحرق العالم، أو غالبا سيُعاقَب الجمهوريون عمّا قريب!
مأساة أن تكون ضعيفًا فى عالم متوحّش، ومثلها أن تملك من القوّة ما لا يحتمله السياق.
هنا تكون الكرامة قيدًا والمُغامرة انتحارًا، وانتظار المُبادرة من كل طرفٍ عنادًا فى فهم الآخر، وتصليبًا لموقفه.
وتكون الحروب صيادين والمُتحاربون طرائد، ربما يتبادلون المواقع؛ إنما لا يتوقفون عن الكرّ والفرّ.
مرعى بلا أُفقٍ أو قانون، والجميع حطب سواء كانوا ضحايا أو جُناة، وقد جرت المقادير من أول الدنيا بألّا تموت الذئاب أو تفنى الغَنَم!