ننشر النص الكامل لكلمة محمد سلماوى فى مؤتمر الهوية الوطنية بمكتبة الإسكندرية

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 09:42 م
ننشر النص الكامل لكلمة محمد سلماوى فى مؤتمر الهوية الوطنية بمكتبة الإسكندرية الكاتب محمد سلماوى

0:00 / 0:00
كتب أحمد إبراهيم الشريف

أكد الكاتب الكبير محمد سلماوى، أن الحفاظ على الهوية الوطنية يتطلب بناء خطاب ثقافى قادر على مواكبة تحولات العصر والوصول إلى الأجيال الجديدة، مشيرًا إلى أن الهوية لا تقوم على استعادة الماضى وحده، وإنما تتشكل أيضًا من قدرة المجتمع على التجدد والانفتاح على العالم، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية وذاكرته التاريخية.

جاء ذلك خلال كلمة الكاتب الكبير محمد سلماوى فى جلسة «الخطاب الثقافى والهوية الوطنية»، ضمن فعاليات مؤتمر الهوية الوطنية بمكتبة الإسكندرية، حيث تناول دور الثقافة فى تشكيل الوعى وتعزيز الانتماء، وعلاقة الهوية المصرية بروافدها الحضارية المتعددة، وأهمية تطوير الخطاب الثقافى بما يتناسب مع التحولات التى أحدثتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعى.
وشدد سلماوى على أن الهوية الوطنية تتجاوز الرموز والشعارات، لتشمل اللغة والأدب والفنون والذاكرة الجمعية والقيم المشتركة، مؤكدًا أن المجتمع الواثق من هويته يكون أكثر قدرة على الحوار مع الآخر، وأن حماية الهوية تستلزم ترسيخ قيم التعددية واحترام الاختلاف ومواجهة التعصب والكراهية والإقصاء.
ودعا الكاتب الكبير إلى خطاب ثقافى جديد يربط الماضى بالمستقبل، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة المشاركة فى صياغة هويتها، مؤكدًا أن الثقافة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع ومؤسسات التعليم والإعلام والمثقفين والمبدعين، وأن مكانتها فى بناء الإنسان وصون الوطن تتطلب انتقال الأفكار المطروحة فى المؤتمرات إلى المجال العام.

وفيما يلى ننشر النص الكامل لكلمة الكاتب الكبير محمد سلماوى فى مؤتمر الهوية الوطنية:
السيدات والسادة،
يسعدني أن نجتمع فى هذه الجلسة حول موضوع أراه من أكثر الموضوعات إلحاحًا في لحظتنا الراهنة، وهو الخطاب الثقافي والهوية الوطنية.
وإذا كان اختيار هذا الموضوع مهمًا في كل زمان، فإنه يصبح أكثر أهمية في زمننا هذا، لأننا نعيش عالمًا تتسارع فيه حركة الأفكار والصور والمعلومات، وتتراجع فيه الحدود التقليدية بين المجتمعات، حتى أصبح الإنسان، أينما كان، يتعرض كل يوم لفيض هائل من الخطابات القادمة من كل مكان.
وفي هذا العالم المفتوح يبرز السؤال القديم في صورة جديدة:
من نحن؟
هو سؤال لا يتعلق بالماضي وحده، وإنما بالمستقبل أيضًا. فلا هوية وطنية تستطيع أن تعيش على ذكريات الماضي وحدها، ولا أمة تستطيع أن تدخل المستقبل إذا لم تكن تعرف ما الذي تريد أن تحمله معها من ماضيها، وما الذي تستطيع أن تتخلى عنه، وما الذي ينبغي أن تضيفه إلى تجربتها.
ومن هنا تأتي أهمية الثقافة.
فالثقافة ليست نشاطًا هامشيًا يمكن أن يأتي بعد الاقتصاد والسياسة والتعليم. الثقافة في جانب أساسي منها، هى الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه والعالم من حوله. وهي المجال الذي تتشكل فيه الذاكرة الجمعية، وتُصاغ فيه صورة الوطن، وتتحدد فيه القيم التي نعتبرها جديرة بالحفاظ عليها.
ولذلك فإن الخطاب الثقافي هو السردية التى نروي من خلالها حكايتنا عن أنفسنا.
ومن يملك القدرة على صياغة هذه الحكاية يمتلك، إلى حد بعيد، القدرة على التأثير في وعي الأجيال الجديدة، وفي الطريقة التي تنظر بها إلى وطنها وتاريخها ومستقبلها.
والهوية الوطنية لا تُختزل في علم يرفرف، أو نشيد يُردد، أو شعارات تُرفع في المناسبات. هذه كلها رموز للهوية، لكنها ليست الهوية في جوهرها.
الهوية هى اللغة التي نتحدث بها، والأشعار التي نحفظها، والحكايات التي ورثناها، والأماكن التي نشعر بأنها جزء من ذاكرتنا. إنها الأدب والفن والمسرح والسينما، بأعمالها التي عبرت عن أحلامنا ومخاوفنا، وكذلك الشخصيات والأحداث التي صنعت وعينا بتاريخنا.
إنها، في النهاية، ذاكرة جمعية، وشعور مشترك بالانتماء.
لكن الهوية ليست أيضًا صندوقًا مغلقًا. وهنا تكمن واحدة من أهم القضايا التي ينبغي أن نناقشها فى هذه الجلسة.
فالهوية الحية هي التي تستطيع أن تتغير دون أن تفقد جوهرها، وأن تنفتح دون أن تذوب، وأن تستوعب الجديد دون أن تفقد جذورها.
ولقد كانت مصر، على امتداد تاريخها الطويل، مثالًا بالغ الدلالة على هذه القدرة. فمصر لم تكن في يوم من الأيام ثقافة ذات عنصر واحد. إنها حضارة تراكمت فيها طبقات التاريخ: المصرية القديمة، والقبطية، والعربية الإسلامية، ثم ما أضافته العصور الحديثة من روافد واتصالات وتأثيرات متوسطية .
ومع ذلك ظل هناك خيط عميق يصل هذه المراحل بعضها ببعض. وهذا الخيط لا يمكن أن نجده في الآثار وحدها، ولا في الكتب وحدها، وإنما نجده في الإنسان المصري نفسه، وفي علاقته بالمكان واللغة والذاكرة، وفي قدرته العجيبة على استيعاب الوافد وتحويله إلى جزء من تجربته الخاصة.
لذلك فإن الدفاع عن الهوية الوطنية لا يعني الانغلاق أمام العالم. فالمجتمع الواثق من هويته هو الأكثر قدرة على الحوار مع الآخر، لأنه لا يدخل هذا الحوار خائفًا من أن يفقد ذاته.
أما المجتمع الذي يشعر بالهشاشة تجاه هويته، فإنه قد يتحول إلى أحد طرفين: إما انغلاق يرفض كل جديد، أو ذوبان يقلد كل ما يأتي من الخارج.
وكلاهما خطر.
ومن هنا تأتي مسؤولية الخطاب الثقافي.
نحن في عصر لم تعد فيه المدرسة والكتاب والمسرح والصحيفة هي المصادر الوحيدة التي تصوغ وعي الإنسان. هناك إلى جانب التلفزيون المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والصورة المتحركة والمحتوى القصير والذكاء الاصطناعي، وكلها تشارك بصورة مباشرة في صناعة الوعي.
وهذا يطرح علينا سؤالًا شديد الأهمية:
هل ما زال خطابنا الثقافي قادرًا على الوصول إلى الأجيال الجديدة؟
وهل نقدم لهم الثقافة بوصفها حياة وتجربة ومعنى، أم نقدمها أحيانًا في صورة مواعظ ومعلومات منفصلة عن عالمهم؟
إن الأجيال الجديدة لا ترفض بالضرورة الثقافة، لكنها ترفض أن تُقدم إليها الثقافة باعتبارها شيئًا ميتًا أو بعيدًا عن حياتها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الثقافة الحديثة والثقافة القديمة، وإنما بين ثقافة حية قادرة على التجدد، وثقافة تتحول إلى مجرد محفوظات جامدة.
إننا اليوم في حاجة إلى خطاب ثقافي جديد؛ خطاب لا يخاف من الأسئلة، ولا يهرب من النقد، ولا يكتفي بتكرار ما قيل من قبل.
خطاب يقول للشاب المصري: هذا تاريخك، لكنه ليس سجنك. وهذه ثقافتك، لكنها ليست حدودك. وهذه هويتك، لكنها ليست شيئًا مكتملًا إلى الأبد؛ أنت أيضًا شريك في صياغتها.
أما الهوية الوطنية، فهى في رأيي، ليست فقط ما ورثناه، وإنما أيضًا ما نختار أن نكونه.
وهنا يتصل موضوع الهوية الوطنية بالديمقراطية وبالتعددية وبالاعتراف بالآخر داخل المجتمع نفسه، وتلك من الموضوعات الهامة التى قد مناقشتها خلال الجلسة. فلا يمكن أن تكون هناك هوية وطنية قوية إذا شعر جزء من أبناء الوطن أن هويته الخاصة مستبعدة أو غير معترف بها.
الوطن ليس جماعة متشابهة تمامًا، وإنما هو إطار يجمع اختلافات كثيرة تحت مظلة الانتماء المشترك. والثقافة الحقيقية هي التي تجعل من هذا التنوع مصدر قوة لا مصدر صراع.
ومن هنا فإن الخطاب الثقافي المسؤول يجب أن يواجه أيضًا ظواهر التعصب والكراهية والإقصاء، وأن يستعيد لغة الحوار التي تسمح للاختلاف بأن يكون اختلافًا في الرأي، لا سببًا لتحويل الآخر إلى عدو.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، هو علاقة الثقافة باللغة.
فاللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما هي وعاء أساسي لذاكرة المنطقة ووسيلة مركزية لاستمرار ثقافتها.
والدفاع عن العربية لا يعني رفض اللغات الأخرى، بل يعني أن نمنح لغتنا المكانة التي تستحقها، وأن نطور استخدامها في التعليم والإعلام والثقافة والتكنولوجيا، وأن نجعلها قادرة على التعبير عن عالم جديد لا أن تظل حبيسة عالم قديم.
إن الأمة التي تفقد قدرتها على التعبير عن نفسها تفقد، تدريجيًا، قدرتها على تعريف نفسها.
ومن هنا أعتقد أن قضية الخطاب الثقافي لا ينبغي أن تبقى قضية المثقفين وحدهم.
إنها قضية الدولة والمجتمع والمدرسة والجامعة والإعلام والفنان والكاتب والناشر، بل هي قضية كل مواطن.
لأن السؤال في النهاية ليس: ماذا نكتب أو ماذا نعرض في المسرح أو السينما؟
السؤال هو: أي إنسان نريد أن نصنع؟
هل نريد إنسانًا يحفظ المعلومات أم إنسانًا قادرًا على التفكير؟
هل نريد مواطنًا يردد الشعارات أم مواطنًا يشعر بالمسؤولية تجاه وطنه؟
هل نريد أجيالًا تخاف من العالم أم أجيالًا تدخل إليه بثقة وهي تعرف من أين جاءت وإلى أين تريد أن تذهب؟
هذه الأسئلة تجعل الثقافة جزءًا من مشروع وطني شامل، لا مجرد نشاط من أنشطة المجتمع.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للهوية الوطنية هو أن تتحول إلى شعار يستخدم عند الحاجة، بينما تضعف في الحياة اليومية عناصرها الحقيقية: التعليم، والكتاب، والفنون، واللغة، والذاكرة التاريخية، واحترام التراث، وإتاحة الثقافة للناس.
فالهوية لا تُبنى بالخطب السياسية، إنها تُبنى في المدرسة، وفي البيت، وفي الشارع، وفي الكتاب، وفي اللوحة التشكيلية، وفي العرض المسرحى، وفي الفيلم السينمائى، بل وفي الطريقة التي نتعامل بها مع تاريخنا ومع بعضنا البعض.
السيدات والسادة،
إننا لا نحتاج اليوم إلى خطاب ثقافي يتوقف عند تمجيد الماضي، ولا إلى خطاب آخر يحتقر الماضي أو يتصيد مثالبه. نحتاج إلى خطاب قادر على الحوار السوى بين الماضي والمستقبل. خطاب يعرف قيمة التراث لكنه لا يحوله إلى صنم مقدس. ويحترم الحداثة لكنه لا يحولها إلى تقليد أعمى. ويؤمن بالوطنية لكنه لا يجعلها نقيضًا للانفتاح على العالم. فالهوية الوطنية الحقيقية ليست جدارًا نعزل به أنفسنا عن الآخرين، وإنما هي نافذة نطل منها على العالم ونحن نعرف من نحن.
وإذا نجحنا في بناء مثل هذا الخطاب، فإن الثقافة تستطيع أن تستعيد دورها التاريخي في بناء الإنسان، وفي تعزيز الانتماء، وفي حماية المجتمع من التفكك، وفي تحويل الاختلاف إلى طاقة للإبداع.
ومن هنا فإنى آمل إلا تظل هذه الجلسة مجرد لقاء لمناقشة مفهوم ثقافي، بل تتحول إلى محاولة للإجابة عن سؤال أكبر:
كيف نريد أن تكون صورتنا عن أنفسنا، وكيف نريد أن تكون صورة وطننا في عيون الأجيال القادمة؟
وأظن أن الإجابة لا يمكن أن تكون جاهزة.
إنها مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى حوار مفتوح، وإلى شجاعة في النقد، وإلى احترام للعقل، وإلى إيمان بأن الثقافة ليست ماضي الأمة فقط، بل هي أيضًا مختبر مستقبلها.
أتمنى أن تكون هذه الجلسة مساحة حقيقية لهذا الحوار، وأن تخرج منها أفكار تتجاوز قاعات المؤتمرات إلى المجال العام، وأن نستطيع معًا أن نعيد إلى الخطاب الثقافي قدرته على التأثير، وإلى الثقافة مكانتها بوصفها واحدة من أهم القوى التي تصنع الإنسان وتصون الوطن.
شكرا لحسن إصغائكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة